الرئيسية | في رحاب الشريعة | هجرة الغرور بين طموح المبادرة وجموح المغامرة/ محمد مكركب

هجرة الغرور بين طموح المبادرة وجموح المغامرة/ محمد مكركب

قال الله تعالى:﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[سورة البقرة:195] وفي الجامع لأحكام القرآن:( أخبر  أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية نزلت في ذلك).  وقال البراء بن عازب:(عن الإلقاء باليد إلى التهلكة) الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول: قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة، فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في المعاصي. فالهلاك: اليأس من الله، وقال زيد بن أسلم: المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس). فإذا كان الذي يسافر من أجل الجهاد المشروع بغير زاد أنه إلقاء إلى التهلكة، فكيف بالذي يغامر إلى غير هدف بغير زاد ولا وجه مشروع؟ ثم إن في قول الله تعالى:﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا﴾ فالعبرة بعموم اللفظ فيكون النهي على كل إقدام متعمد إلى التهلكة، فكل من يغامر بنفسه، ويقامر بماله وبحياته، فهو يلقي بيده إلى الهلاك.

وقال تبارك وتعالى:﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾[النساء:29] قال القرطبي:( وَأَجْمَعَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ النَّهْيُ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُ النَّاسِ بَعْضًا، ثُمَّ لَفْظُهَا يَتَنَاوَلُ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ بِقَصْدٍ مِنْهُ لِلْقَتْلِ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدنيا وطلب المال بِأَنْ يَحْمِلَ نَفْسُهُ عَلَى الْغَرَرِ الْمُؤَدِّيَ إِلَى التَّلَفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ:{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} فِي حَالِ ضَجَرٍ أَوْ غَضَبٍ، فَهَذَا كُلُّهُ يتناول النَّهْيُ).[الجامع:5/157]

ظهرت في هذه العقود الأخيرة ظاهرة مؤسفة لا تمت إلى أصالة ولا إلى منطق ولا إلى تدبير سليم، بل هي من قبيل السفاهة والحماقة، هي الهجرة اللاشرعية هجرة المغامرات عبر قوارب الموت، متمثلة في شباب جزائريين يهاجرون إلى أوروبا بغير وثائق ولا جوازات سفر، يركبون قوارب لا يأمنها العاقل على نفسه في أن يعبر بها نهرا عاديا، بينما الشباب المغامرون يركبونها ليلا وخفية عن الأنظار ليعبروا بها البحار، في مغامرة جموح شبيهة بالانتحار، إذ يغرقون ولا يظهرون، هذه الهجرة (هجرة الغرور) أطلق عليها:(هجرة الحراقة). وقد يقول الشباب المغامرون هل الهجرة حرام؟ ولماذا تنتقدون المهاجرين مغامرة وخفية بغير وثائق ولا وسائل أمان؟ فنقول لهم: لا أحد يحرم ما أحل الله لعباده، ولكن ما هي الهجرة الحلال؟

الهجرة كما علمتم أنواع: هجرة شرعية حسية من مكان إلى مكان في سبيل الله وهي هجرة الجهاد للدفاع عن الدين والأمة والوطن، وهجرة في سبيل الله طلبا للعلم النافع للإنسانية، العلم الذي لا يوجد في الوطن. وهجرة في سبيل الله للعبادة كالحج والعمرة، وهجرة لجلب وسائل وسلع إنتاجية تخدم الوطن شرعيا وإنسانيا وتعزز الاقتصاد الوطني، وليس السلع الاستهلاكية كالثياب والمأكولات واللعب والأواني. وكل هذه الهجرات الواجبة والمستحبة والمباحة هي التي يكون فيها للمهاجرين مسوغا، ويكون عملهم ممدوحا، ويؤجرون عليها، قال الله تعالى فيهم:﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:100] وهجرة من بلد لا يقام فيه الدين، إلى بلد يستطيع فيه المسلم العمل بما شرع الله عز وجل.قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:97] وهناك هجرة معنوية شرعية واجبة وهي الهجران من المعاصي إلى التوبة والطاعة. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ](البخاري.10).

وهجرات محرمة، منها: الهجرة إلى بلاد أجنبية لإضعاف الوطن بفرار أبنائه منه إلى غيره، كهجرة الكفاءات، والمطلوب شرعا أن من له علم وكفاءة وحرفة نافعة فليخدم بها وطنه، ويستثمر قدراته لفائدة وطنه، فإذا حقق الاكتفاء لوطنه من تلك الخدمة جاز له الهجرة إلى بلد مسلم آخر. ومن الهجرات اللاشرعية هجرات المغامرة على متن قوارب هشة غير مأمونة والراكب فيه مصر على أسباب الانتحار، وكذلك الذين يسافرون خلسة وخفية وبدون وثائق، ولا أمل لهم إلا أحلام وأوهام ومصائب تلاقيهم وراء البحر إن نجو من الغرق؟ وعليه فلا يجوز للشباب السفر في هجرة الغرور بلا وثائق رسمية.

ما هي دواعي ودوافع الهجرة المخالفة؟ قد يكون في ذهن الشاب المغامر مبادرات الطموح، جريا وراء المال أو بحجة أنه مظلوم اجتماعيا في بلده، أو لم يجد عملا يكسب منه قوته، ولكن كل هذا لا يُسَوِّغ له الهجرة مغامرة، ملقيا بنفسه في البحر، أو في سجن البلد الذي يذهب إليه بطرق غير قانونية، أو يمارس عملا منحطا حيث تُهانُ كرامتُهُ. فهجرة المغامرين (الحراقة) ليست من الطموح والمبادرات، وإنما هي من الجموح والمغامرات، وإنني إذ أكتب لشبابنا هذا التذكير إنما نريد له التنبيه والتحذير من سوء المصير.

سألت شابا كان يعرف مراهقين أغراهم أولئك المغامرون، فاستأجروا زورقا وانطلقوا بين الأمواج يجرون وراء الأحلام، وكان مصيرهم الغرق! قلت له: ما هي المؤثرات التي تجعل الشاب يغامر وهو يعلم حجم الخطر الذي يقابله، والمصير المجهول الذي ينتظره؟ قال يسمعون ويرون أن العائدين في عطل من أوروبا وأمريكا يعودون بسيارات وأموال، وثناء على الرفاهية المادية هناك، والإباحية الجنونية هناك، وصارت عندهم أن المهاجر إلى أوروبا وأمريكا، للعمل أو التجارة أو التعلم، يعود من هناك إلى وطنه، في صورة بريق الأجنبي عند العامة، وله شهرة المادة والحرية كما يتصورون، وصار عندهم الذي يقرأ في الخارج له مكانة وتقدير على الذي يقرأ في وطنه، والذي يعمل في الخارج له شهرة المهاجر!

إن الهجرة الخفية المخالفة للقيم والقوانين سلوك خاطئ وعمل غير مشروع، وهو من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهذا الكلام للشباب وآبائهم، لنقول لهم: إن الخطأ لا يعالج بالخطأ، والحاجة من الفقر والبطالة والتهميش لا تسوغ للمتضرر أن يغامر مغامرة الموت. ثم إننا نتساءل عن أسباب الظاهرة؟ من المسئول عن هجرة الغرور؟ من المسئول عن جموح المغامرين، من الشباب المراهقين، ومن الذين يؤجرون لهم تلك القوارب خيانة؟ ومن هو المسئول عن تلك المخالفات الخفية، ومن وراء ذلك من المخدرات والتجاوزات؟ فالشيء المؤكد أن المجتمع مسئول عن هؤلاء، فمن هو المسئول عن المجتمع؟ إن المسئولية تبدأ من الآباء والأمهات حتما ومنطقا، من الأسرة والعائلة، ولكن الأسرة رغم عِظَمِ حجم مسئوليتها، فإن اللوم الأول والأخير على ولاة الأمر، من العلماء والمفكرين، والسياسيين، والإداريين. دون نسيان دور الإعلاميين، غير أن أصحاب القرار في مؤسسات التخطيط والبرامج الوطنية هم المسئولون الأولون مباشرة. كما أن البلدية والولاية مسئولتان كل في دائرة اختصاصه، والوزراء مسئولون، عن كل خلل يقع في المجتمع، ومنه هذا الخلل الخطير.

الحكمة تقول: الوقاية خير من العلاج، فمن أين يبدأ التحصين والوقاية من فتنة المغامرين؟ سواء الحراقة بحرا أو الحراقة فكرا؟ أن يعد رئيس البلدية على مستوى بلديته إحصاء شاملا لكل الأفراد المسئول عنهم، في جدول مضبوط ومحكم ومفصل لكل شريحة وبيان أحوال أفرادها، ومنه يعرف كل شاب لا يتابع الدراسة ولا يشتغل بعمل، ويتصل بهم ويهيء لكل واحد منهم ما يلزم من العناية والرعاية، ويوجه كل شاب لما يجب من الدراسة والتربية، ويجمعهم في مراكز الشباب ومراكز المهن والحرف، وتأطيرهم رسميا بما يحقق لهم الأمل في طلب العلم والعمل. وعلى مستوى الولاية، والوزارة.

ليس من الحكمة أن يُتْرك الشابُّ الذي يخرج من المتوسطة أو الثانوية أو الجامعة أو من الخدمة الوطنية، ويبقى بلا عمل ولا متابعة دراسة ثم لا يُسأل عنه، فهذا تقصير كبير، بل يجب على هؤلاء المسئولين في البلديات والولايات والوزارات أن يعرفوا عن كل فرد على الإطلاق حالته الاجتماعية، وأن يتأكدوا من أن كل فرد نال حقوقه الاقتصادية والعلمية والتربوية والاجتماعية، وأنه يأكل ويلبس ويسكن ويتعلم، كما هو حال جميع المواطنين.

إن الله تعالى لم يأمر الفقراء والمساكين بأن يطالبوا بحقوقهم وإنما أمر الأغنياء والأمراء بأن يعطوا حق السائل والمحروم، قال الله تعالى للأغنياء:﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾[المعارج:24/25)، وقال لأولي الأمر:﴿مَا أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾[الحشر:7].

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فتنة التطبيع الشنيع من قبول الاحتلال إلى الرضا بالاستذلال

أ. محمد مكركب/ لماذا رضي بعضُ حكام العرب الدنيويين باحتلال فلسطين منذ عقود، وسكتوا عن …