الرئيسية | وراء الأحداث | لا يأس مع الإيمان واستمرار المقاومة/ عبد الحميد عبدوس

لا يأس مع الإيمان واستمرار المقاومة/ عبد الحميد عبدوس

يبدو أن الخيانة لم تعد في الوطن العربي جريمة يحرمها الشرع، ويجرمها القانون، ويرفضها العرف، ويثور ضدها المجتمع، ولكنها أصبحت مجرد وجهة نظر وفي بعض الأحيان مجرد رهان للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.

قبل أسبوع (15 جانفي 2019) كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حفل تنصيب رئيس الأركان الجديد لجيش الاحتلال الصهيوني:” أن العلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية تعززت على نحو غير مسبوق”، وأكد أن رئيس الأركان الإسرائيلي غادي آيزنكوت (وهو من عائلة يهودية مهاجرة من المغرب) عقد لقاءات واجتماعات كثيرة مع نظرائه من الدول العربية خلال فترة قيادته للجيش الإسرائيلي التي امتدت من نهاية 2014 إلى بداية 2019.

رسميا لا تقيم سوى دولتين عربيتين علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بعد توقيع اتفاقيتي سلام مع الحكومة المصرية عام 1979 ومع الحكومة الأردنية في 1994، وظلت أغلب الدول العربية متمسكة ظاهريا بشرط الأرض مقابل السلام، وقد ترسم هذا الموقف في مبادرة السلام العربية لعام 2002، ولكن الواقع يدل على أنه لم تبق سوى دول عربية قليلة تعد على أصابع اليد تتمسك بقرار المقاطعة العربية لدولة الاحتلال لإسرائيلي قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ومن أبرز تلك الدول الجزائر.

قد يتساءل المرء عما استجد في الواقع الإسرائيلي لكي تعزز العلاقات العربية معها “بشكل غير مسبوق”، وما هو الجديد في سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي ترأس الحكومة من 1996 إلى 1999، وعاد إلى حكم إسرائيل في سنة 2009 بعد سبع سنوات عن الإعلان عن مبادرة السلام العربية التي مازالت إسرائيل ترفض حتى مجرد مناقشتها مع العرب. وهل من الممكن أن يكون الفلسطينيون قد جنوا بعض الفوائد من بقاء نتنياهو في قمة سلطة الاحتلال الإسرائيلي لمدة عشر سنوات، أم أن أوضاعهم ازدادت  سوءا ومعاناتهم ازدادت قسوة؟.

المعروف أن نتنياهو يرفض حتى معاهدة أوسلو (1993) بين الإسرائيليين والفلسطينيين ويعتبرها مأساة، ويرى أن الصراع بين العرب وإسرائيل يمكن إدارته ولا يمكن حله، ولذلك يسعى إلى فرض الحقائق الاحتلالية على الأرض وتدمير مبدأ الدولتين واستبداله بخيار الدولة الواحدة بنظامين “الأبارتهايد”، كما أكد ذلك أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات.

فعلى مدى 62 سنة (1948ـ 2006) خاض خمسة رؤساء حكومات إسرائيلية سبع حروب ضد العرب، بينما خاض بنيامين نتنياهو لوحده ثلاث حروب ضد الفلسطينيين في ظرف ست سنوات ( 2012/2018) وأثناء ترأسه للحكومة لعهدتين متتاليتين (2006/2019) شدد الخناق على قطاع غزة، ووسع اغتصاب الأراضي الفلسطينية وإقامة المستوطنات اليهودية بشكل غير مسبوق، واعتدى في عدة مرات على سيادة دولتين عربيتين بشكل علني هما سوريا ولبنان.

أما حصيلة حروبه ضد الفلسطينيين فكانت مروعة. ففي الحرب الأولى المسماة “عمود السحاب” التي  دارت بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الصهيوني ما بين 14 إلى 21 نوفمبر2012 أسفرت وقائعها عن 155 شهيد ومئات الجرحى. وفي الحرب الثانية المعروفة بعملية “الجرف الصامد” التي امتدت من 7 جويلية إلى 26 أوت 2014 فكانت حصيلتها174 2  قتيل، 81% منهم مدنيون (7431) و 870 10 جريح، أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء، وفي الجانب الإسرائيلي أوقعت 72 قتيلا 91 % منهم عسكريون (66). أما الحرب الثالثة فدامت من 11 إلى 13 نوفمبر 2018 اندلعت عقب اكتشاف المقاومة الفلسطينية قوة إسرائيلية خاصة كانت تحاول التسلل إلى خان يونس جنوب قطاع غزة، ما أدى إلى مقتل قائد الوحدة الإسرائيلية وإصابة نائبه، بينما ارتفعت حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 14 شهيدا. أما حصيلة ضحايا مسيرات العودة الكبرى السلمية التي انطلقت في 30 مارس 2018 فكانت إلى غاية نهاية ديسمبر 2018 أكثر من 200 شهيد ونحو 25 ألف جريح، بينهم 15 ألف أصيبوا برصاص حي.

وعلى مستوى سن القوانين المعززة للتطرف العنصري وإحكام قبضة الاحتلال الصهيوني من خلال الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) الخاضع لسيطرة الائتلاف الحاكم المتشكل من أحزاب اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل بزعامة نتنياهو، فقد نزلت على كاهل الشعب الفلسطيني كالمصيبة لتعميق مأساته الوطنية.

ففي 2 جانفي 2018 تم تعديل قانون “القدس الموحدة”، الذي يمنع أي تغيير على حدود القدس، أو مساحات المدينة أو نفوذها الإدارية إلا بموافقة 80 من أصل 120 عضوا أي موافقة ثلثي أعضاء البرلمان الإسرائيلي على أي قرار حكومي إسرائيلي، لنقل أي أجزاء من القدس إلى الفلسطينيين في أي تسوية مستقبلية. كما تم إقرار  في 19 جويلية 2018 قانون يهودية دولة إسرائيل الذي يمنح اليهود فقط ممارسة حق تقرير المصير في البلاد، وفي 5 نوفمبر 2018 وافق نتنياهو على سن قانون يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين الذين تدينهم محاكم الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ عمليات قتالية ضد الإسرائيليين. ورغم كل هذه الجرائم والاعتداءات التي طالت الفلسطينيين والعرب. يتفاخر نتنياهو  ـ حسبما صرح به في 16 نوفمبر 2018 بأن: «ما يحدث في الوقت الحالي هو أننا في عملية تطبيع مع العالم العربي دون تحقيق تقدم في العملية الدبلوماسية مع الفلسطينيين». وفي 28 نوفمبر 2018 اعتبرت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية، أن رؤية بنيامين نتنياهو تحققت بعدما تجاهل القادة العرب القضية الفلسطينية في مؤتمر حوارات البحر المتوسط بروما (روم ميد).

لقد أصبح من المألوف في الأشهر الأخيرة أن تتحدث وسائل الإعلام العربية والعالمية عن مشاركة وفود رياضية إسرائيلية ورفع العلم وعزف النشيد الإسرائيلي في عواصم عربية وقيام وزراء إسرائيليين بجولات سياحية داخل مساجد في الإمارات العربية ومصر، وإقامة استقبال رسمي فاخر في سلطنة عمان لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولكن هل يعني أن القضية الفلسطينية قد غابت عن اهتمام العرب، وأن القدس قد سقطت من قلوب وضمائر العرب والمسلمين.

ربما لا يخفى على الكثير من المطلعين على حقائق الواقع العربي أن أغلب الحكام العرب لا يستمدون شرعياتهم وسلطاتهم من تفويض شعوبهم وتزكية الصناديق الانتخابية الشفافة والنزيهة، ولكنهم يتوكلون في تدعيم حكمهم وحماية كراسيهم على قوى أجنبية هي في الغالب عدوة لمصالح الشعوب العربية والإسلامية.

لقد أحس حكام إسرائيل بالهلع والخطر عند اندلاع انتفاضة الشعوب العربية في أواخر عام 2010 في تونس ومصر، ولم تخف حكومة إسرائيل والنظام السعودي غضبهما من تخلي الإدارة الأمريكية بزعامة باراك أوباما عن النظام المصري، ولكن سرعان ما تم إجهاض الانتفاضات العربية واستطاعت قوى الثورة المضادة المدعومة أمريكيا وسعوديا وإماراتيا من قلب الاتجاه. وانتعشت آمال إسرائيل مع نجاح انقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي في مصر، واعترف السيسي الذي اعتبرته إسرائيل بمثابة ” كنز استراتيجي لها”، بحميمية العلاقة بينه وبين حكام إسرائيل، وبوجود تنسيق بين الجيش المصري والجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة في سيناء.

وبعد اتهام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالتورط في اغتيال الصحفي المغدور جمال خاشقجي، استعمل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو نفوذه في الولايات المتحدة لدعوة مسؤولي إدارة دونالد ترامب للحفاظ على مكانة ولي العهد، لأن الرياض تمثل في عهده شريكا مهما في الشرق الأوسط. ودعا نتنياهو مرارًا إلى إقامة تحالفٍ مع دول عربية وصفها بالبلدان المُعتدلة ضدّ إيران في محاولة إحداث تغيير كامل لطبيعة التحالفات والعداوات في الشرق الأوسط.  وفي هذا السياق يأتي إعلان وزير الخارجية الأمريكي عن عقد مؤتمر في وارسو عاصمة بولونيا في 13 و14  فيفري المقبل (2019) تشارك فيه دول عربية كمصر والسعودية والأردن والمغرب والإمارات والبحرين إلى جانب إسرائيل لمواجهة إيران والتهديدات الإرهابية. وكأن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت في عصر الأحادية القطبية أن تجعل بعد سنة64  من المدينة التي تأسس فيها الحلف المناهض  لهيمنتها (حلف وارسو 1955م) مكانا لحشد كل حلفائها وتوابعها وأذنابها في العالم لمواجهة الدولة ( إيران) التي مازالت ترفض الخضوع لجبروتها وتقاوم استكبارها.

ولكن مهما تراكمت غيوم التشاؤم والإحباط  في الأفق المنظور للواقع العربي والإسلامي، فلابد من أن تستعيد الأمة حقوقها المغتصبة،  فهذه قناعة دينية{إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، وهي كذلك حتمية تاريخية، إذ استطاعت الأمة العربية عبر تاريخها الطويل الخروج من مآزق ومحن أشد قسوة مما تعانيه اليوم، ومازال الشهداء الذين يسقون بدمائهم أرض فلسطين الطاهرة، بمثابة المصابيح المنيرة والنماذج البطولية التي تعبِّد درب الحرية لاسترجاع السيادة الفلسطينية والكرامة العربية. وإن غدا لناظره قريب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لعنة اضطهاد الروهينغيا تطارد رئيسة حكومة ميانمار

أ. عبد الحميد عبدوس/ عادت احداث ميانمار لتتصدر الأحداث في مطلع الشهر الجاري (الاثنين 1 …