الرئيسية | اتجاهات | لعنة القدس -2-/ محمد الحسن أكيلال

لعنة القدس -2-/ محمد الحسن أكيلال

  

“ترمب” في مواجهة الأعاصير

لا شك أن “ترمب” وهو يواجه آخر الأعاصير وأشدها قوة وفتكا به، ذلك المتمثل في إغلاق ربع الدوائر الحكومية الفيدرالية وبقاء أكثر من 800.000 موظف دون أجور. لا شك أنه يتذكر شؤم تلك الرقصة الفولكلورية السعودية التي أداها مع الملك “سلمان بن عبد العزيز” الذي وعده بما لا يحلم به من أموال و استثمارات و ضغوط على الرؤساء والملوك العرب لقبول صفقة القرن رغم أنوف الفلسطينيين الذين سيسكتهم ببضعة دراهم معدودات لشراء بعض اللعب والحلوى لأبناءهم بدل تلك الأسلحة التي تبعثها لها إليهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

الإعصار هذه المرة ليس كتلك الأعاصير التي تصيب الولايات المتحدة من حين لآخر وتخسرها في بضعة المئات من ملايين الدولارات بسبب الدمار الذي يلحق بالمدن والبنى التحتية المختلفة، إنه الإعصار الذي يدمر الأسس الفكرية والأخلاقية التي تأسست عليها الدولة الأمريكية منذ أكثر من قرنين من الزمن، وهي الأسس التي بفضلها حققت هذه الدولة ما بلغت به هذا الجبروت وهذه السطوة في جميع الميادين الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية التي أخضعت بها كل بلدان العالم.

الإعصار هذه المرة يجب أن يسمى باسم “ترمب” لأنه هو صانعه بقراراته و تغريداته و مواقفه التي جعلت من كل المقربين منه أكثر تعرضا له مما دفعهم للاستقالات وتركه يواجه نفسه. إنه الإعصار نفسه الذي يدمر ذاته وهو يواجه هذه الذات التي اعتادت منه الخضوع لمشيئتها هي منذ نعومة أظافره، فهو لم يعمل يوما على كبح جماحها أو إيقافها أمام ظرف من الظروف. لقد قرر أن يترشح للانتخابات الرئاسية ذات يوم، وقرر أن يفوز بها، وقد فعَّل واستعمل لذلك كل الوسائل بما في ذلك تلك التي أصبحت بعد الفوز عامل تنكيد له وتنغيص بما تضع أمامه من شبهات واتهامات أخطرها تلك التي باشر مكتب التحقيقات الفيدرالي التحقيق بشأنها وهي المتعلقة بتدخل روسيا في هذه الانتخابات، وهي تهمة إذا ثبتت الإدانة فيها ستكون سببًا لعزله أو على الأقل عدم فوزه في العهدة الثانية.

لم يكن “ترمب” مثقفا ككثير من الساسة في بلاده، بل هو من فئة العامة الدهماء ضيقي الأفق المعرفي، وأقرب أصدقاء أحد المحتاكين الكبار في عالم المال، ولذلك فانتماؤه إلى أتباع الكنيسة الإنجيلية المعمدانية لسببين اثنين، هما:

  • ارتباط هؤلاء بالخرافات والبدع البعيدة كل البعد عن المسيحية الحقيقية
  • لكون هؤلاء يشكلون وعاء انتخابيا قويا هو في الحقيقة من أسس الحركة الصهيونية.

ولأنه ينتمي إلى المحافظين فهو شديد الحرص على إرضاء عائلته وخاصة ابنته التي تزوجت باليهودي الصهيوني “كوشنر” شديد الإخلاص للدولة العبرية في فلسطين المحتلة، فطلبات ابنته و زوجها لا تستدعي منه التفكير والنقاش، وبدخول “نتانياهو” في هذه الدائرة العائلية الضيقة يصبح أحد أهم المستشارين له و لصهره، و هذا أهم أسباب تسرعه في الإعلان عن قرار القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل مزايدًا على سلفه “باراك أوباما” ومن سبقه من الرؤساء.

“ترمب” إعصار بحد ذاته و هو يواجه إعصارًا آخر شكله بنفسه، وكان يمكن له أن يهدئ الإعصار المواجه له لو تراجع وتنازل عن شيء من غلواء وكبرياء وحاول التقرب بليونه من الشعب الفلسطيني أو السلطة الفلسطينية على الأقل باعتبارها ما زالت صابرة على كل ممارسات العدو الصهيوني الإجرامية، كان يمكن له أن يوضح مثلا أن القدس المقصودة هي الشرقية فقط وتبقى الغربية عاصمة لدولة فلسطين المنتظرة لكنه كما كان دائمًا منحازا لما قال أو قرر إلاّ ما يتعلق بجني المال الخاص عن طريق الابتزاز من عرب الخليج.

الإعصار يواجه إعصارًا في الطبيعة أمامهما طريقة واحدة للتخلص واحد من الآخر وهي دوران أحدهما عكس دوران الآخر فيلف حول تيارات الهواء فيصفعه ويتخلص منه ويواصل دورانه السريع الذي سينتهي به بالارتفاع عن الأرض أكثر ثم التلاشي؛ لكن إعصار “ترمب”لا يريد ذلك فهو من ناحية يريد التخلص من إعصار محور روسيا الصين إيران ومن ناحية أخرى يريد تفكيك التحالف الغربي الأوروبي الأطلسي الذي اشتم منه رائحة محاولة العمل على الاستقلال عن بلاده في الوقت الذي يرى بنفسه الانتصارات التي حققتها روسيا و إيران في سوريا التي بدأت تقترب بقوتها العسكرية من استعادة كل الأراضي التي احتلتها فلول الإرهاب المتعدد الجنسيات الممول و المدعم من طرف أمريكا نفسها وحلفاءها من العرب و المسلمين ودولة الكيان الصهيوني.

لعنة القدس أصابت كل المشاركين في التآمر عليها من قريب أو من بعيد، و”ترمب” باعتباره السباق لاتخاذ القرار هو الذي أصابته في مقتل في انتظار الحلفاء الآخرين بما فيهم أولئك الذين يتبرقعون ببرقع الإسلام كالمملكة العربية السعودية وتركيا وقطر.

إصابة “ترمب” من اللعنة ستبدأ في أمريكا نفسها التي يصاب فيها اللّوبي الصهيوني في الصميم حيث ينقسم بين المعسكرين الديمقراطي والجمهوري الذي ينقسم بدوره إلى معسكرين: موال لــ “ترمب” وقراراته بما في ذلك المتعلق ببناء الجدار على الحدود الجنوبية مع المكسيك، ورافض ومعاد لكل قراراته ويسعى إلى فتح تحقيق معمق حول شبهة علاقته بروسيا والأموال التي حصل عليها من طرف السعودية والإمارات العربية المتحدة.

هذه الإصابة ستشتد عليه حين تتطور قضية اغتيال “جمال خاشقجي” و يشتد ضغط الحزب الديمقراطي وكل الكونغرس لمحاكمة ولي العهد “محمد بن سلمان” مما يضطر المملكة إلى تنفيذ تهديدها ووعيدها بفك الارتباط بإدارته ودولته والانضمام إلى محور موسكو بكين، وفي هذا تهديد سافر لدولة الكيان الصهيوني التي تعهد بالدفاع عليها بكل الوسائل بما في ذلك إضرام حرب ضروس في المنطقة ستكون سببا في زوالها وزوال كل أثر للولايات المتحدة في كل المنطقة لتعود إلى حيث كانت قبل الحرب العالمية الأولى، يعني الانكفاء حول نفسها داخل حدودها لتواجه هي الأخرى ثورات المواطنين من أصول الهنود الحمر والأصول الإفريقية التي لم تعد تطيق الممارسات العنصرية للبيض المستعمرين الأوروبيين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رفـــــع الـمـــــــلام عن الإسلاميــــــين

عبد العزيز كحيل/ الاسلاميون هم انصار المشروع الإسلامي، دعاة، مصلحون، سياسيون، علماء، شرائح اجتماعية متعددة …