الرئيسية | قضايا و آراء | ذكريات من زمن الصحوة هذا هو حصاد العشرية الحمراء/ عبد العزيز كحيل

ذكريات من زمن الصحوة هذا هو حصاد العشرية الحمراء/ عبد العزيز كحيل

شهد كبار العلماء والدعاة أنَّ الصحوة الإسلامية التي عرفتها الجزائر على امتداد ثمانينيات القرن الماضي لم يروا لها مثيلا في العالم كلّه من حيث الحجم والصدق والعطاء الميداني، فقد رجع النّاس إلى الله تعالى والتزموا أحكام الشرع في حياتهم الفردية والأسرية والعامة، وتراجع الباطل والفساد إلى حدّ كبير، انتشر الكتاب الإسلامي واللباس الشرعي بين النساء، وشاعت الأناشيد الإسلامية…، وكان العلماء الراسخون من مختلف البلاد في غدوّ ورواح على بلادنا، يحاضرون ويخطبون ويختلطون بالشباب ويوجهونهم، بل ويوجهون الحُكام وينصحونهم ويشجعونهم على الإصلاح والتغيير للانسجام مع مقتضيات الإسلام.

وبينما كنّا ننتظر أن تقطف الأمة ثمرات الصحوة الطيبة في شكل إصلاح هادئ منسجم مع سنن التغيير حدثت الطامة، وقد تسبب فيها رفض التغريبيين القطعي للمسيرة الإسلامية واستغلوا أخطاء بعض الأطراف الإسلامية التي اختارت طريق الغالبة والمبالغة فحدث انقلاب جانفي 1992 ودخلت البلاد عشرية مأسوية نسأل الله ألا يعيدها علينا أبدأ شبعنا فيها دماء ودموعا وخرابا، وما زالت جراحاتنا لم تندمل بعد.

وأحبّ أسجل نقاطا يمكن –في تقديري – اعتبارها حصادا للتسعينيات:

-تراجعت الصحوة الإسلامية تراجعا رهيبا لا يقل عن50 سنة إلى الخلف، طال مختلف البلاد العربية بنسب متفاوتة.

-خسرت الحركة الإسلامية (بمختلف فصائلها) مواقعها القوية سواء في النفوس أو في الواقع أي معنويا وماديا بسبب اشتغالها إلى الآن بالعمل السياسي – غير المجدي في ظلّ نظام علماني شمولي – وتركها لساحة العمل الدعوي التربوي الذي قامت على أساسه ومن أجله.

-تراجع المشروع الإسلامي الذي كان قد بلغ مواقع متقدمة في المجتمع تراجعا وصل حدّ نسيانه من طرف أنصاره، فلم نعد نسمع إلا الكلام عن “برنامج رئيس الجمهورية” حتى من طرف الرموز الإسلامية، فقط لأنهم أصبحوا وزراء!!

-نجحت العلمانية نجاحا باهرا واحتلت مواقع مفصلية لم تكن تحلم بها: هي السيد الموجه المتحكم في ميدان التربية والتعليم(مع التحريف والتغريب والمستوى الذي يعرفه الجميع)، عملت على “تحرير”المرأة” عبر الإعلام والقانون حتى تمرّدت على الرجل وبالغت في الخُلع (الذي لم نكن نعرفه إلا في الكتب) ونزعت الحجاب واختارت لباس الذكور وهي تعلم أن الله يلعنها بسبب ذلك، وأخطرُ من هذا اتساع رقعة الإلحاد حتى أصبح أهله يتبجحون به ويستفزون المجتمع المسلم، إلى درجة أن يبرئ القضاء ساحة كاتب شُغلُه الشاغل الاستهزاء بالإسلام وازدراء نبيه وتعاليمه، ويحكم بالسجن على داعية ذنبُه الوحيد مطالبة الدولة بمعاقبة هذا الملحد ليس على إلحاده ولكن على تهجّمه على دين الله!وهم يعتزمون إقامة تماثيل وتكريمات لرؤوس الكفر أمثال معطوب الوناس الذي كان يجاهر بكفره وبغضه الشديد للإسلام وأهله، وما زالت الأقلية التغريبية الاستئصالية العِرقية تلاحقنا بتهمة الإرهاب وتستغل تحكمها في الدولة لمحاربة هويتنا وإفساد كل مناحي الحياة في البلاد، وترفض أن ننتقدها أو نعمل على تغيير منكرها.

-شجعت السلطة التيار الوهابي –الذي يسمي نفسه السلفية- وهو بضاعة سعودية حكومية للتحكم في دين الله وتوجيهه توجيها سياسيا معينا يُفرغه من الفاعلية الاجتماعية ويجعل صورة الدين مقززة، ويسّرت له الانتشار وسلمت له –نعم سلمت له – المساجد لغرضيْن اثنيْن: الأول الترويج لتأليه الحاكم وعدم منازعته مهما فعل، والثاني قطع الطريق على الحركة الإسلامية لأنّ التديّن العاطفي الشكلي أمر بسيط لا تكاليف فيه بخلاف العمل الدعوي الواعي العميق.

-تبنّت الدولة تجفيف منابع التديّن والاحتفاء بالتديّن الفلكلوري، فهذه مسابقات حفظ القرآن الكريم تُقام رسميا على أعلى المستويات ويكرّم الحفظة تكريما كبيرا لكن العمل بالقرآن الكريم ممنوع.

-جاءت إجراءات المصالحة ابتداء من 1999 ناقصة اقتصرت على الجانبيْن الأمني والاجتماعي(بينما المشكلة سياسية بامتياز)، وكانت في النهاية تمكينا لغلاة العلمانيين وتهميشا للإسلاميين، لكنها على كل حال ومن غير شك أفضل من الحرب الأهلية والاقتتال، والعقلاء لا يدعون إلى رفضها بل إلى إكمالها ليسترجع المجتمع عافيته وحقوقه دون إقصاء.

-بقيت جمعية العلماء وحيدة في الساحة تنافح بما استطاعت في ظلّ التهميش الرسمي والمضايقة الإعلامية.

-أخيرا إمكانية العمل الدعوي التربوي متاحة الآن إلى حدّ بعيد، فالسلطة تتبرم من شيء واحد هو منازعتها على الكرسي، أما الدروس والمحاضرات والندوات والمخيمات واللقاءات التربوية فهي لا تزعجها كثيرا لأنها مطمئنة إلى فوزها بأية انتخابات وفق المنطق المتبع منذ رئاسيات 1995، والتفريط إذًا يتحمّله الدعاة أنفسهم سواء كانوا أشخاصا أو هيئات.

وبدل التراشق بالتهم وتحميل الطرف الآخر المسؤولية، وبدل الاستمرار في الدوران في فلك النظام دون جدوى يستحسن بالدعاة أن يعودوا لتصحيح أول منزل والانطلاق بالشباب في ساحات النشاط التربوي الهادئ الهادف لإحياء الدعوة إلى الله وبعث المشروع الإسلامي والعمل مع الجميع لإنقاذ الجزائر مما هي فيه.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …

تعليق واحد

  1. لافض فوك أستاذنا الكريم عبد العزيز؛ فما زلتم تحتفظون بوضوح أرائكم ، وصراحتكم التي عهدناها فيكم ؛ قراءة ومعرفة شخصية، خاصة أيام تبسة و(فارفوس)، و(كوبيماد). فلقك كان لجلساتنا معكم في ضيافة أخينا المرحوم يزيد بتيش رحمه الله وغفر له، طعما ومذاقا جميلا مميزا، لا زلنا نحتفظ بكثير منه. وما زلتم أستاذنا الكريم تحافظون على عمق الفكرة، وبعد النظر، وسداد التقدير، وحصافة التوجيه، والتنبيه .
    ومقالكم هذا يجسد المعاني المذكورة، ويوقف جيل الصحوة في عنفوانها وتألقها على التباعد الذي سيقوا وانساقوا وساقوا إليه. حتى بلغ الحال ما بلغ ممّا شرحتم مظاهره ، ونتائجه المفزعة ، التي هي حقا كذلك وربما أبشع؛ لأن كافة المعطايت وعوامل التأثير في مسارات الصحوة باتت من القوة والعتوّ ما بلغ بتخطيطات أصحابها من قوى داخلية ودولية، أن حققوا قدرا كبيرا من أهدافهم، ويكفى الظاهر منها : استيلاء تيار الكساح الفكري والعقلي على رصيد الصحوة الإسلامية أي عنصرها البشري، واجتلائه لطروحاته، وملىء أشواقه التدينية، بمقولاته وضخه النصوصي المزيف للوعي والتوازن المطلوب في الشخصية الإسلامية التي تواجه عصرا بلغ فيه التعقيد، والتحديات مبلغا، لم تعهده البشرية من قبل، حتى لكأنها تعود إلى اجواء وأوضاع شبيهة في مداها النفسي خصوصا بما سبق البعثة النبوية الشريفة .
    الحق أستاذنا الكبير أن الأمر جدُُّ، ويحتاج لفتح أبواب النقاش والتحليل بما يكافئ عمق المخاطر ، و شراسة التحديات . إننا على اعتباب إعادة صياغة تكاد تكون جذرية للمشاعر والعقل والسلوك البشري، والأنظمة النفسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية، إن النواة الصلبة التي تتوارى وراء الأفعال والأحداث والتفاعلات ، تغذ السير لتستقبل بالبشرية ، نمط إنسان يختلف جوهرا ومخبرا عن انماط البشر التي عاشت على هذه الأرض منذ آدم عليه السلام . فعلى التفكير والتخطيط والجهود على خط الصحوة أن يتحرك في ظلال استيعاب هذه المؤشرات التي تتردد في كثير من الدراسات والتقديرات هنا وهناك .