الرئيسية | في رحاب الشريعة | النصح بإخلاص أساس المودة بين الناس/ محمد مكركب

النصح بإخلاص أساس المودة بين الناس/ محمد مكركب

من أجَلِّ وأجمل الصفات الخُلُقية للمسلم أن يكون ناصحا مخلصا في نصحه، وصادقا أمينا في معاملاته مع الناس يبتغي بذلك وجه الله سبحانه، وأن يكون وفيا ورعا ثابتا على المبادئ والوعود.

والنصح بين الناس: إخلاص المشورة والرأي والشهادة وإرادة الخير لهم عن نية صادقة، فالناصح المخلص الأمين لا يبخل على إخوانه بما يؤمن به أنه الحق وأنه الخير، ويجتهد كل الاجتهاد من أجل أن يبين لإخوانه الطريق الذي يعلم أنه حق ويحبه لنفسه ويثبت معهم في نفس الطريق، بل ويضحي من أجل أن يسعدهم بما يعلم من الخير له ولهم، وبما يملك من النفع والصلاح له ولهم، وبما يستطيع أن يقدمه لهم خدمة للدين والوطن والأمة، هذا هو الناصح الأمين.

والنصح في اللغة: نقيض الغِش ونقيض الخداع ونقيض المكر والكيد والخيانة، يقال: نصحه وله نصحا ونصيحة. ويقال: نصحت له نصيحتي نصوحا أي أخلصت له المشورة وكنت صادقا فيها، والاسم النصيحة. قال النابغة الذبياني:

(نصحت بني عوف فلم يتقبلوا…رسولي، ولم تنجح لديهم وسائلي) وفي لسان العرب قال ابن الأثير:[ النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، فليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرُها. وأصل النصح: الخلوص. ومعنى النصيحة لله: صحة الإيمان بوحدانيته وإخلاص النية في عبادته. والنصيحة لكتاب الله: هو التصديق به والعمل بما فيه. ونصيحة رسوله: التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهي عنه. ونصيحة الأئمة أي الحُكام: طاعتهم في الحق، وتبيان الحق لهم إن خالفوا، ونصيحة عامة المسلمين: إرشادهم إلى المصالح] وفي الخبر في القرآن عن الرسول هود عليه الصلاة والسلام:﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾[الأعراف:68] وفي قصة صالح عليه الصلاة والسلام:﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾[الأعراف:79] والعلة في نفوس المفسدين أنهم لا يحبون الناصحين لما أصابهم من الجهل والغباء، والغريب أن المفسدين الذين لا يستنصحون ولا يسمعون النصيحة بل ولا يحبون الناصحين كما قال صالح لقومه فهم يستهزئون بالناصحين ويتهمونهم بالزيغ والضلال، كما فعل قوم نوح مثلا:﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾[الأعراف:60/62] وفي الحديث عن جرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال:[بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ](البخاري.57) وعنوان بحثنا هذا:( النصح بإخلاص أساس المودة والرحمة بين الناس) وتبدأ المودة بين الناس انطلاقا من العاطفة المشتركة بين الزوجين، ثم تسري هذه العاطفة الودية وهذا الحنان في الأولاد إذا ظلت الفطرة سليمة والنفوس زكية والقلوب طاهرة.

قال الله تعالى:﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم:21] كيف تسكن المودة وتمتد بين القلوب وتثبت؟ بالنصح الخالص، وكيف تنتقل هذه المودة والرحمة إلى نفوس الأولاد وتسكن في قلوبهم وينشئون على روح المحبة والتراحم والوفاء والخير؟ بحسن تربيتهم، كيف يكون أولا: النصح بإخلاص في تربية الأولاد؟ قلنا إن معنى النصح أن تحب الخير للناس وتجتهد في أن تحقق لهم، كما فعل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بالدعوة بالحكمة، والموعظة بالرفق، والثبات معهم في أفراحهم وأحزانهم، إن سلموا وغنموا فأنت معهم وإن ضعفوا وافتقروا فأنت صابر معهم، تبذل علمك ومالك وجهدك لإسعادهم جميعا، يفرحك ما يفرحهم ويحزنك مايحزنهم هذا هو الناصح الأمين، قال عليه الصلاة والسلام:[ أمتي أمتي] تعالوا لنربي أولادنا على هذه القيم والمبادئ، ومن القيم: قيمة النصح بإخلاص، قيمة حب الخير للناس، قيمة التآخي بالتقوى، وقيمة الصبر على بعضنا. قال محاوري: لماذا بدأت بالأولاد قبل النصح بإخلاص في الجوار والسياسة والعلاقات الدولية، وإخلاص حكام المسلمين في نصرة المظلومين في فلسطين؟ قلت: لأن ما وقع للمسلمين في الأندلس وفي فلسطين وبورما والفلبين وألبانيا ويوغوسلافيا كله بسب انحراف في تربية أولادنا، وبسبب تفريطنا في شبابنا، أهملناهم وتركناهم يتعرضون لضربات كيد الكافرين أمام عواصف الغزو الفكري والثقافي، حتى أصاب مجتمعاتنا ما أصابها من فساد الأخلاق ورح الشقاق ونفث قنوات الملحدين والفساق من فضائيات العالم. فلو ربينا أولادنا على الإيمان بشعب الإيمان وعلمناهم صفات عباد الرحمن لكنا حقا من الناصحين الأمناء، ومن الصادقين الأوفياء. ومن الحكم المتداولة في منظومات الأقوال الحسنة:(عليك بابنك لاعبه سبعا وعلمه سبعا ورافقه سبعا) ومما نعلمه الإيمان والآداب والصلاة والقرآن، ونعلمه كيف يكسب الرزق الذي كتبه الله له بالحلال[اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ](الترمذي:3563) فهذا الخبر عن لقمان كما جاء في القرآن، أنه يقول لولده:﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[لقمان: 13] ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾[لقمان:17] وفي الحديث. عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع] (رواه أبو داود:495) ومن النصح للأولاد حسن اختيار أمهم، أي أن الشاب الذي يريد ذرية طيبة صالحة نافعة أن يختار من البداية زوجة طيبة صالحة ذات دين، وخلق متين، وسلوك رصين، وأن يطعمها وأولاده ونفسه من الحلال الطيب، وإذا وُلِد له مولودٌ سماه اسما حسنا، وعق عنه أي ذبح شاة شكرا لله، إن استطاع، يقال عق عن ولده ذبح ذبيحة يوم سُبُوعِه.

قال الترمذي حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا علي بن مسهر عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويسمى، ويحلق رأسه] حدثنا الحسن بن علي الخلال قال: حدثنا يزيد بن هارون قال:[ أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ يوم السابع فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ عق عنه يوم حاد وعشرين، وقالوا: لا يجزئ في العقيقة من الشاة إلا ما يجزئ في الأضحية] (الترمذي.1522) والعقيقة سنة مستحبة.

وفي الموطأ قال مالك:[الْأَمرُ عِنْدنا فِي العقِيقَةِ، أَنَّ مَنْ عَقَّ، فَإِنَّمَا يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ، الذُّكُورِ، وَالْإِنَاثِ. وَلَيْسَتِ الْعَقِيقَةُ بِوَاجِبَةٍ. وَلَكِن  يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِها. وَهِيَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا. فَمَنْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ. فَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ النُّسُكِ، وَالضَّحَايَا. لاَ يَجُوزُ فِيهَا عَوْرَاءُ، وَلاَ عَجْفَاءُ، وَلاَ مَكْسُورَةٌ، وَلاَ مَرِيضَةٌ، وَلاَ يُبَاعُ مِنْ لَحْمِهَا شَيْءٌ، وَلاَ جِلْدُهَا، وَيَأْكُلُ أَهْلُهَا مِنْ لَحْمِهَا، وَيَتَصَدَّقُونَ مِنْهَا] (الموطأ:1846)  هل نصحنا أولادنا حقا حتى لا يدخلوا النار؟ لاشك أن الكثير منا مقصر متهاون، هل علمناهم كيف يتدبرون القرآن؟ الكثير منا لم يعلمهم ذلك، هل بينا لهم القيم الإيمانية وحفظناها لهم تحفيظا تاما حتى تُصبغ في باطن القلب ويجري معناها في الوجدان، وذكرها على اللسان؟ وهل دربناهم على العمل بها تطبيقا؟ حتى تكون سلوكا طيبا، كقيمة التوكل على الله، وقيمة توقير الكبير، وقيمة رحمة الصغير، وقيمة التحية، وتبادل الاحترام، وصلة الرحم، وقيمة احترام الوقت، وقيمة النظافة، وغيرها من القيم، والحقيقة أن الكثير منا لم يعمل بذلك؟ وفي الحديث عن ابن عباس، قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: [يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجَاهَكَ، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلامُ وجفتِ الصحف] (الترمذي.2516) كيف تحفظ الله؟ احفظ حقوقه عليك، وحقه عليك أن تعبده ولا تشرك به شيئا، يحفظك الله من مكاره الدنيا ومكاره الآخرة، ومما تحفظ به الله المداومة على إقامة الصلاة في وقتها، والمداومة على الورد القرآني.

النصح للأولاد يُلَخَّص في حسن تربيتهم وتعليمهم ورعايتهم وتحصينهم، أيها الآباء ليس من الحكمة في تربية الأولاد الاعتماد على المدرسة، فالمؤسسات التعليمية مجرد وسيلة، وما المدرسة إلا جانب من جوانب المساعدة، فمن تخلى عن تربية أولاده للمدرسة وحدها أضاعهم، خاصة مع نوم الضمائر وسوء النيات، وكثرة الملهيات.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …