الرئيسية | على بصيرة | جمعية العلماء وعقدة الإعلاميين الجهلاء/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

جمعية العلماء وعقدة الإعلاميين الجهلاء/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

رحم الله عالم الجزائر وإمامها محمد البشير الإبراهيمي، فقد وضع لنا ذات يوم وصفة علمية، ثقافية، فكرية، تكتب بماء الذهب لمعالجة الذين أصابهم العطب العقلي، فهم يعانون من داء فقد المناعة الدينية والوطنية والثقافية.

قال الإمام الإبراهيمي إن اللغة الأجنبية، ويعني بها اللغة الفرنسية، إما أن تأخذك إليها، وإما أن تأخذها أنت إليك، فإذا أخذتك إليها كانت غشاوة على بصرك، وعقلك، وقلبك، فهي تفرغك من شحنتك، وإن أبقت على سحنتك فتصبح هذه اللغة هي عينك التي تبصر بها، ولسانك الذي لا يعبر إلا بها، وقلبك الذي لا يدق إلا وفق نبضاتها، وذلك هو الانسلاب اللغوي، الناتج عن الغزو الفكري الثقافي.

أما إذا أخذتها أنت إليك، فهي تتحول إلى أداة طيّعة في لسانك، وعقلك، وقلبك، فأنت الذي تتحكم فيها، بحيث تبلغ بها عن معتقدك، وتجادل بها من ينتقدك، وتقنع بها من يتصدى لمهاجمتك.

تذكرت هذه الوصفة الإبراهيمية وأنا أقرأ الهجمة الهستيرية التي تشنها بعض الصحف الناطقة بالفرنسية على جمعية العلماء، دون سند علمي أو مبرر عقلي، وإنما هي تستند إلى معلومات كاذبة، معنعنة، كأخبار العجائز، وتنسب ظلما إلى جمعية العلماء.

ذلك هو حال صحيفة l’expression، وصحيفة Alger [Peu] Patriotique، وصحيفة Reflexion، وانضمت إلى هذه بعض الصحف المعرّبة، مثل صحيفة “المحور اليومي” وغيرها.

نسجت هذه الصحف أسطورة فتوى، نسبتها إلى جمعية العلماء، تحرّم الاحتفال بعيد “يناير” الأمازيغي، مدللة على ذلك بأن رئيس لجنة الفتوى في جمعية العلماء، فضيلة الشيخ عابدين بن حنفية قد أفتى بذلك.

كبرت كلمة تخرج من أفواههم، وخسئت سموم تنفثها أقلامهم، إن يقولون إلا كذبا وافتراء، والأصل في هذه الفرية المنسوبة إلى جمعية العلماء، أن صحفيا أو صحفية في يومية معربة، راح يبحث في مؤلفات الشيخ ابن حنفية التي صدرت منذ سنوات، وأبدى فيها وجهة نظر تعبر عن قناعته العقدية، بخصوص المولد النبوي، وبخصوص الاحتفال بيناير الأمازيغي، وهي قضايا لا تزال تثير الخلاف بين بعض العلماء والفقهاء مما يدل على التنوع الفكري، والنقد الفقهي، داخل الثقافة الإسلامية.

غير أن هذه الأحكام صدرت من زمن بعيد، ولم تلتزم بها جمعية العلماء، بحيث لم تصدر عن لجنة الفتوى التابعة للجمعية، ولم تحمل توقيع أعضائها، كما أنها لم تنشر في صحيفة البصائر لسان حال جمعية العلماء، ولا حتى في صفحتها الفيسبوكية.

إضافة إلى أن فضيلة الشيخ عابدين عندما نسبت إليه فتوى تحريم يناير لم يعد عضوا في المكتب الوطني التنفيذي للجمعية، فقد أعفي من عضويته بطلب منه، وبالتالي فهو لم يعد يحمل الصفة الملزمة للتعبير عنه، وقد بعث هو شخصيا بتوضيح في ذلك، ولكن الصحافة التي تعاني من عقدة العداء للجمعية تجاهلت لحقدها وسوء نيتها هذا التوضيح.

نستنبط من كل هذا التحامل على جمعية العلماء، أن هؤلاء المتحاملين سكنتهم عقدة الإسلاموفوبيا، والغربوفيا. ذلك أنهم عبروا عن عطب عقلي، من أعراضه أنهم لا يطيقون الحرف العربي، ولا يتحملون نجاح أي خطاب إسلامي، حتى ولو كان خطابا وسطيا، معتدلا، ومتسامحا، يقبل بأدب الاختلاف، ولا يضيق بالاجتهاد بكل الأوصاف، كما أن  أعراض عقدهم، أنهم يقرأون ما تكتبه الجمعية، وإذا قرأوا فإنهم لا يفهمون ولا يتفهمون.

فلا عجب إذن، أن ترى بعض الأعلام الناطقة بالفرنسية، تنفث ضدنا سموم الحقد والكراهية، فتنعتنا بأشنع النعوت القبيحة، وتستعدي علينا كل شريحة، وتذهب إلى حد المطالبة بإلغائنا من الساحة بلغة واضحة وصريحة.

تبا لهم! أبلغ بهم الحقد إلى هذا المستوى من البغض والكراهية لكل ما هو إسلامي، وما هو عربي، فهم يعملون على جرنا إلى معارك وهمية، لا تقوم على أي سند علمي أو دليل عقلي، فبعد أن حملونا ظلما وعدوانا كذبة تحريم إحياء المولد النبوي الشريف، وهي فرية تحمل بطلانها من ذاتها، وجمعية العلماء كانت ولا تزال تعنى بالمولد النبوي، وتقيم الندوات العلمية والدينية بمناسبته، بعد هذه المزاعم التي كشفت جهلهم، هاهم اليوم يتخذون من قضية “يناير” أداة لاتهامنا بما هو أخطر، وهو معاداتنا للأمازيغية… ألا ساء ما يحكمون!

ليت هؤلاء المفترين جاءوا للتدليل على إفكهم بمثال واحد على موقفنا المعادي للأمازيغية، نحن الذين نتغلغل في تيزي وزو، وبجاية، وخنشلة، وباتنة، وغرداية، والقرارة، فكيف أمكن ذلك لو كنا معادين كما يزعمون للأمازيغية؟

إن جمعية العلماء تستعد اليوم لعقد ملتقى الشيخين الدولي، في بجاية، مدينة العلم، والحضارة الإسلامية، والاتصالات جارية لإنجاح هذا الملتقى، وإعطائه ما يستحق من إشعاع وإنجاح، فكيف تستقيم معاداتنا المزعومة للأمازيغية أمام هذا الزخم العلمي الذي نتميز به في كل المناطق؟!

إن ما يحز في قلوبنا وفي قلوب كل المؤمنين بوحدة شعبنا الجزائري الذي انصهر كله في الإسلام، تناسي حقيقة هامة وهي أن من كانوا في طليعة من خدموا الإسلام واللغة العربية هم العلماء الأمازيغ الأفذاذ، من أمثال: الثعالبي، والمشدالي، واليليتني، وابن معطي، وأبو يعلى الزواوي، وابن باديس وبيوض، وعمر دردور، ومحمود بوزورو وغيرهم كثير. إن ما يحز في قلوبنا هو أنه بعد كل هذه الأمثلة الناصعة يوجد من يزعم أن جمعية العلماء تعادي الأمازيغية.

فيا أقوام غيرنا! إننا أمازيغيون رغم أنوفكم، وإننا مسلمون رغم أحقادكم، وإننا عرب بالحضارة رغم انسلابكم، وإننا في الأخير جزائريون أصلاء رغم سوء فهمكم لكل هذه الدوائر وأبعادها.

فنحن نؤمن بأن الأمازيغية بجميع مكوناتها ولهجاتها، هي بعد أساسي من أبعاد هويتنا، ونحن الأكثر وفاء للأمازيغية، عندما طالبنا بتخليصها من براثن الأكاديمية البربرية بباريس، وإسنادها للأكاديميين الجزائريين لإعطائها مقومات الإحياء والوجود، ونحن الذين طالبنا بكتابتها بالحرف العربي، حتى تصبح في متناول كل الجزائريين، فأيُّنا أوفى للأمازيغية، وأينا أحق بالانتماء إليها؟ أنحن الذين نربطها بأصولها الجزائرية العربية الإسلامية، أم الذين يطالبون بكتابتها بالحرف اللاتيني، زيادة في فصلها عن أصولها، وتعميق القطيعة بينها وبين الحضارة العربية الإسلامية؟

ليست لدينا –علم الله- أية عقدة من يناير، ولا من الأمازيغية، ولكننا نطالب بأن يكون الاحتفاء بالمولد أو بيناير، بعيدا عن البدع والخرافات، وعن الشعوذة والذبائح وكل ما أهل لغير الله به.

فدعوا عنكم يا دعاة الفتنة، ويا مرضى العقد، يا أيها الفاقدون للمناعة الدينية، والثقافة، والوطنية، دعوا عنكم هذه المزاعم، وتعالوا إلى الحضن الدافئ، الذي هو حضن جمعية العلماء الذي يتسع لكل أبناء هذا الوطن، ولكل مصلح له من الفساد والإفساد، فنحن في الإصلاح لا نفرق بين إصلاح العقل وإصلاح الحقل، ولا بين من يسرق الخزينة ومن يفسد المدينة، إن الإصلاح عندنا شمولي لا يؤمن بإصلاح البعض وترك البعض.

ولعل مما ننادي به في الإصلاح إصلاح الإعلام، الذي لا يزال جانب منه يروّج لقيم وأخلاق ومبادئ دخيلة لا علاقة لها بواقعنا، ولا تمت بصلة لقيمنا، وعراقتنا.

غير أن الفرق بيننا وبينكم، يا دعاة الفتنة أننا -عكس ما تعملون له- لا ندعو إلى حل مؤسساتكم، ولا إلى مصادرة أفكاركم، ولا إلى مقاطعة وسائلكم، فكلما نرجوه منكم هو أن ترتفعوا إلى مستوى الإعلام الهادف، فلا تحكموا على مخالفيكم بالظن، وبالنقل دون سند، ففي ذلك تشويه للكلمة الملتزمة، وتقبيح للخطاب الإعلامي المنشود.

إن جمعية العلماء تؤمن وتعمل من أجل الديمقراطية، هذه الكلمة التي لا تزال مظلومة في قاموس استعمالكم، وإن البقاء للصالح وللأصلح في النهاية.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى يَرْعَوي الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في الإعلام والمدينة؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ابتليت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ …

تعليق واحد

  1. بارك الله في عمركم وجهدكم وقلمكم يا أستاذ قسوم.
    إن بعض الاعلاميين انتهازيون ومأجورون إما لفكر ما أو لسلطة ما ومستواهم العلمي والمهني والاخلاقي يتساوى مع صاحبات النقنقة في الحمام.