الرئيسية | قضايا و آراء | أي مستقبل للفرنكوفونية في العالم؟/ علي حليتيم

أي مستقبل للفرنكوفونية في العالم؟/ علي حليتيم

في مقال لافت للنظر كتبه جاك باتو Jack Batho وهو مدير البرمجة والتقييم في وكالة ما بين الحكومات للفرنكوفونية  Agence intergouvernementale de la francophonie ومقرها باريس،  يتساءل الكاتب هل للفرونكوفونية مستقبل؟ ثم يطرح الاحتمالين كليهما فيقول:”إن الفرنكوفونية لا مستقبل لها إذا داومت فرنسا على اعتبار نفسها مسؤولة لوحدها عن مستقبل اللغة الفرنسية وإذا استمرت في الإصرار على منطق الاستحواذ لوحدها على ملف الفرنكوفونية الذي لا يمكن له إلا أن يكون متعدد الأطراف.

ونعم، أي للفرنكوفونية مستقبل، إذا على العكس من ذلك انفتحت الفرنكوفونية على آفاق أخرى لغوية وثقافية وسياسية لتقترح استراتيجيات الغرض منها توحيد اللغات المهددة اليوم من هيمنة اللغة الأنجلو-أمريكية.

وفي هذا الإطار فإن على الفرنكوفونية أن تعتمد على أنموذج العلاقات التفاضلية التي تجمع فرنسا وألمانيا منذ أربعين سنة لتبعث وتطور حقلا لغويا وثقافيا أوروبيا يحترم أكثر التعدديات وهويات الآخرين”.

والنفَس الاستعماري واضح جلي في مقال باتو!

إن مشروع الفرنكوفونية الذي بدأ غامضا وربما محتشما وغير ذي خطر للرأي العام منذ 1970 يبدو الآن مشروعا لما بعد الكولونيالية واضحا للعيان ولم يعد يكفيه تلك العبارات الرنانة التي يرددها الفرنسيون من مثل أنهم يريدون وطنا ثقافيا متعدد الأقطاب يجمع بين تأكيد الهوية والانفتاح على العالم ويتخذ طريقا وسطا بين الانغماس في آيات الله أو الانغماس في كوكاكولا ni tout ayatollah ni tout coca cola !

لقد قامت فرنسا بالقضاء شبه التام على اللغات الإفريقية والآسيوية في البلدان التي كانت تحتلها لتتركها كلغات تواصل في أحسن الأحوال مع الحرص على منع تلك الشعوب من الانفتاح على أي لغة عالمية أخرى فوجدت تلك الدول نفسها عاجزة عن التمرد على ذلك السجن الكبير الذي يسمى الفرونكوفونية والذي يضم ستين دولة متخلفة سوى فرنسا وبلجيكا ومقاطعة الكيبيك وستبقى متخلفة ما دامت فرنسا!

وفي مواجهة الأصوات المرتفعة هنا وهناك منددة بالاحتلال الثقافي الفرنسي الذي لم يجلب سوى البؤس الاقتصادي والاجتماعي والعزلة الثقافية داخل لغة موليير التي لا يستعملها الفرنسيون أنفسهم في بحوثهم، فإن الفرنسيين يبحثون عن صيغ سايكسبوكية جديدة مع الألمان هذه المرة حتى يعطوا لما بعد الكولونيالية نفسا جديدا قبل أن تتعاظم موجة السخط أكثر ويزداد الإقبال على الإنجليزية التي تهدد الفرنسية في عقر دارها وفي كل مناطق نفوذها.

حين يتكلم أحدهم بالفرنسية في مقاطعة الكيبيك فإن البائع يجيبه: speak white!  أي تكلم مثل الرجال البيض الذين يتحدثون الإنجليزية! حتى قال أحد الكتاب الفرنسيين: إن وضع الفرنسية في الكيبيك مثل وضع العربية في الجزائر لكن بالمقلوب! ( يقصد أن الفرنسية محتقرة في الكيبيك مثلما هي تحتقر العربية في الجزائر ).

إن الفرنسيين يدفعون ثمن تعصبهم المقيت حيث إنهم لم يكونوا يسمحون في إطار الاتفاقيات الثقافية لغير المعلمين الفرنسيين بتعليم الفرنسية رغم الجهود والتنازلات الجبارة التي قدمها أمثال بورقيبة وسنغور وغيرهم للفرنكوفونية ولفرنسا، ولكن المعلمين من المغرب أو السنغال أو البنين ممنوعون من تعليم الفرنسية في أي منطقة من العالم وهذا شاهد واحد من شواهد كثيرة على ذلك الانغلاق الفرنسي الذي دفع كثيرا من المثقفين إلى الدعوة للتمرد على هذا الاحتلال الجديد الذي يريد أن يأخذ ما لم يأخذه إبان الاستعمار: لسان الشعوب وروحها واقتصادها!

إن اللغة الرسمية الوحيدة في منظمة الفرونكوفونية هي الفرنسية وإن القرار فرنسي خالص، وكل المؤسسات وكل الهياكل التنفيذية بيد الفرنسيين وما على الآخرين إلا أن يتبعوا تلك الخطة المنهجية التي تقوم على تدمير لغاتهم المحلية واقتصارها على التواصل وتبسيطها في مناهج التعليم (كما يحصل في الجزائر والمغرب وتونس) ثم ربط تلك الدول لغويا بفرنسا بكل نهائي مع التذكير أن نصف الشعب الفرنسي تقريبا يتحدث الإنجليزية حتى يتواصل مع الدنيا والعلم الفرنسي والتكنولوجيا الفرنسية مرتبطان بالإنجليزية كنافذة حتمية تجعل فرنسا ترى العلم والعالم فيما بقية دول الفرنكوفونية لا ترى إلا فرنسا!

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

أ. عبد القادر قلاتي/ أكثر ما يزعج تيار العلمنة من الدين كلمة «الشريعة»، فهي في …