الرئيسية | قضايا و آراء | العالم الإسلامي..وحلم التطلع للقيام بدوره من جديد !!/ د. إبراهيم نويري

العالم الإسلامي..وحلم التطلع للقيام بدوره من جديد !!/ د. إبراهيم نويري

مما يُلاحظ الآن، أن العالم الإسلامي اليوم، وفي غمرة المتغيرات الدولية الراهنة المتسارعة المضطربة، وبعد مروره بالكثير من تراكمات التجارب، والمحاولات الإيديولوجية والسياسية والتنموية…تلك التي هدفت أو تطلعت ـــ لاسيما ما جاء منها بعد مرحلة الارتطام القسري بالحركة الاستعمارية الحديثة ـــ إلى تطويره وإخراجه من غيبوبته الحضارية التي يبدو أنه قد ألِفها وتعوّد على وقعها، حتى ظن بأنه يسير في الاتجاه المناسب الذي رُسِمَ له أن يسير فيه…إنه الآن ـــ وبعد هذه الروح من اليقظة والتلملم التي أخذت تسري في أوصاله ــــ مجبر على أن يبدأ رحلة المسير من جديد، ولكن بالاعتماد على المقومات ذاتها التي كان قد اتكأ عليها في سيره وإقلاعه ذات قرون، وذات مرحلة من تاريخ الإنسانية؛ إنه الآن في يقظته يجب عليه أولاً – إذا أراد حقاً معاودة الدورـ أن يبصر الطريق وأن يتفحص حقيقة مَن حوله، مع حسن الاستيعاب للدروس والتجارب والمحاولات…ثم ينبغي الوعي بحقيقة العوالم والمجتمعات والفضاءات الحضارية المختلفة التي يتعامل معها، لاسيما أولئك الذين باتت البشرية تتطلع إليهم صباح مساء، وتعتمد على إفرازات مدنيتهم في كل ما يتعلق بمقومات حياتها ووجودها ومستقبلها.

لقد انتبه المفكر الإسلامي الاستراتيجي المتميز في طروحاته “مالك بن نبي” لأهمية الوعي بهذه الحقيقة وقيمة استيعاب أبعادها. فكتب يقول في كتابه الهام «مستقبل الإسلام» والذي تُرجم أيضا تحت عنوان «وجهة العالم الإسلامي»:« ليس العالم الإسلامي مجتمعاً منعزلاً يمكنه أن يُتمَّ تطوره  بمعزل عن الآخرين، وهو يقوم في المأساة الإنسانية بدور الممثل والمتفرج.

ولهذا وجب عليه أن يلائم بين وجوده المادي والروحي وبين مصير الإنسانية، فوجبت عليه بذلك معرفة العالم ومعرفة نفسه وإطلاع الغير على  حاله كي يشترك بصورة فعالة في التطور العالمي. لابد له إذن من تقدير قيمه الخاصة وسائر القيم الأخرى التي يتكوّن منها التراث الإنساني».

حقاً إن العالم الإسلامي اليوم وفي خضمّ الظروف الدولية الراهنة ليس أمامه في الواقع مجموعة من الخيارات أو البدائل، حتى يضمن المحافظة على كيانه ويمارس الفعل المستقل المنضبط بمرجعيته الحضارية؛ إن الحقيقة من جهتها لها ضغوطاتها الموضوعية، فتدفع دوماً إلى الاعتقاد بأن هناك طريقاً واحداً ينبغي أن يسلكه العالم الإسلامي، وهو بطبيعة الحال طريقه الطبيعي النابع من ذاته، ومكوّنات كيانه ووجوده الحضاري..ولا شك أن الاعتقاد والإيمان بجدوى هذا الطريق، إلى جانب كونه “الحقيقة الموضوعية “… فهو كذلك الصورة التي أبرزتها المرآة بعد انقشاع الضباب..أو قل   ـ في أقل القليل – أنه “العبرة” المستخلصة من تجارب وتهويمات ومتاهات  تداخلت وتراكمت عبر أخاديد الزمن؛ إن هذا الطريق الذي لا طريق سواه يتمثل في العودة إلى الجذور والمنابع، وإلى المنطلقات الراسخة، ومكنونات المرجعية الحضارية لهذه الأمة.

لكن هل العالم الإسلامي مطالب فحسب بأن ينتفض قصد تحقيق ذاته أم ينبغي له أولاً أن يوائم بين حالة التململ التي بات يعيش أعراضها وتداعياتها  وبين حالة استشعار روح المسؤولية إزاء المحافظة على مصير الإنسانية؟ … ومن جهة أخرى هل ستتنادى جهود العقلاء في هذه الأمة نحو رسم طريق الخلاص، ليس فقط بالنسبة للعالم الإسلامي، وإنما أيضا لكل متطلع إلى الحرية والعيش في سلام من المستضعفين في عالم اليوم؟.. لقد سبق للمرحوم الشهيد سيد قطب التنادي إلى هذا السبيل على صفحات كتابه « في التاريخ فكرة ومنهاج »..وربما تقدمه بقليل إلى هذا التنادي المفكر مالك بن نبي حين خصص لهذه الفكرة كتابه المشهور « فكرة كومنولث إسلامي»..ثم جاءت دعوات أخرى دعمت الاعتقاد بجدوى وقيمة ونبل هذه الفكرة، وربما كان أهم وأبرز تلك الدعوات كذلك محاولة الملك فيصل بن عبد العزيز –رحمه الله – التأسيس لفكرة الدعوة لإيديولوجية «التضامن الإسلامي » والتكامل بين أجنحة ومراكز العالم الإسلامي.

ولا شك أن أغلب الدوائر التي تتحكّم في دوا ليب الاتجاهات والمنازع العالمية لا تريد للعالم الإسلامي أن يمارس حقه في « التكتل» على أساس الفكرة الإسلامية والمذهبية الإسلامية..ذلك أن بلورة السير في هذا الاتجاه يعني في جملة ما يعني إحداث «الشرخ » الذي تخشاه تلك الدوائر الراصدة، المتآمرة على مصير العالم الإسلامي والأمة الإسلامية…إن تلك الدوائر وإن كانت تدرك ـ وفق دروس التاريخ وصيرورته ـ أن العالم الإسلامي لا يموت وإن تخلى عن دوره الطبيعي ورسالته الحيوية، أو تجاهل ـ ولو مرحلياً ـ امتداداته الحضارية وعمقه الإنساني والاستراتيجي؛ إلا أنها مع ذلك تخشى وصوله الكامل والفاعل إلى حقيقة التمكّن من ممارسة «استقلالية الفعل الحضاري»، لذا فهي تبذل قصارى مجهوداتها وتدابيرها الكيدية ـ سراً وعلناً ـ للحيلولة دون تحقيق العالم الإسلامي لتلك الغاية التي ترى أنها ستكون ذات روح استقطابية جاذبة لكل مستضعفي الأرض وعشاق الحقيقة والعدالة والأمن والأمان من بني الإنسانية…لقد أشار إلى شيء من ذلك فيلسوف الحضارة الغربية أرنولد توينبي بقوله:« لقد علمتنا الحروب الصليبية أن العالم الإسلامي لا يُقهر»…

ولئن تصور البعض بأن هذه الرؤية ـ أو هذا التوصيف المتعلق بالحالة النفسية والشعورية الخاصة بآمال وتطلعات العالم الإسلامي ـ مجانفة للواقع الماثل أو لجزء من تركيبته، أو على الأقل غير منسجمة مع المعطيات المتوافرة في هذه المرحلة، فينبغي مع ذلك أن ندرك بأن مجرد تدعيم الوعي بأهمية هذه الأفكار اليوم في شتى مناحي العالم الإسلامي وعلى صعيد نخبه وعمقه الفاعل ـ بينما العالم كله يحث خطاه نحو التكتل والمحافظة على المكتسبات والمصالح ـ هو خطوة في الطريق اللاحب الطويل ولبنة في البناء الكبير، ومحاولة للسعي الحثيث باتجاه بلورة وتأسيس موقف عملي فاعل يُعنى بانبعاث الذات الحضارية للعالم الإسلامي وتدعيم حظوظه الحقيقية وطموحاته الرسالية في الحاضر والمستقبل على السواء.

والله وليّ التوفيق

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …