الرئيسية | في رحاب الشريعة | نداء الضمير إلى أهل الإيمان في زمن الهوان/ محمد مكركب

نداء الضمير إلى أهل الإيمان في زمن الهوان/ محمد مكركب

بسم الله الرحمن الرحيم﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[آل عمران:105] هذا النهي الصريح يقرأه المسلمون وهم يؤمنون بهذا القرآن، ومع ذلك يختلفون، والله أمرهم بالاعتصام بحبله، وأن لا يتفرقوا ومع ذلك فهم بـحبل الله لا يعتصمون، وعلى الخصام والتفرق مصرون!! وهذا الوطن العربي يرجف من شدة زلزال الفتن، ويئن أنين المستغيث من  كثرة الفساد في ربوع كثير من البلاد، والسؤال: إلى أين تسير هذه الشعوب الإسلامية بحكامها وعلمائها ومَلَئِها وشبابها في هذه الحالة من الفوضى العارمة والحروب النفسية الظالمة، رضوا بأن يكونوا مع الغير على أنفسهم وكأنهم أعداء لبعضهم؟ فهذا ضمير الأمة ينادي من أعماق الشعور نداء الإيمان، ويصرخ في الغافلين من كل جوانب الوجدان إلى كل بني الإنسان: أن يا أيها المسلمون في المغرب والمشرق في الشمال والجنوب لِمَ هذا الإصرارُ على التفرق والنزاع؟ ولِمَ هذه العداوةُ والتباعد والصراع؟ ولماذا لا يزال المسلم يقتل المسلم بالحرابة الإرهابية، أو بالتهم السياسية، أو بالحروب الأهلية، أو بالهجرات والنزوح من إقليم إلى إقليم، ومن خوف وظلم إلى قتل ورعب، وقد قلَّ التراحم وغاب الحب!! ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال:1] قال محاوري: هل المسلمون في حاجة إلى هذا النداء؟ ثم ألم تنادهم من قبل، وكتابك (سياسة الائتلاف لإقامة وحدة المسلمين شاهد عليهم إلى يوم الدين؟) قلت: أقول هذا من باب: اللهم فاشهد، واقتداء بالصالحين، على أننا ننادي هذه الشعوب من على منبر البصائر، كي لا يكون للحكام ولا لمن قد يقول مستقبلا لماذا سكتم؟ وما سكتنا عن كلمة الحق، وكما قلتم فكتاب الدعوة إلى الوحدة شاهد منذ الطبعة الأولى (2010م)، والطبعة الثانية: 2014م) وذكر الكتاب للتذكير. قال الله تعالى:﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال: 46] أما آن لهذه الشعوب أن تطيع الله في التآخي والاتحاد والتعاون، إذ قال الله تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾[آل عمران:103]، وقال سبحانه:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[الحجرات:10] ومن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم:[ لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه] (مسلم.2564) فهل قتل المسلم أخاه المسلم إذا عارضه أو انتقده أو حتى إن سبه وشتمه، هل القتل هو الحل؟ أين الحوار والعدل، أين حكم الله؟ وحكم الله هو القول الفصل؟ أما قرأتم قول الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:59] هل المتنازعون في العراق والشام وفلسطين واليمن وغيرها هل رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهل ردوا مسائلهم وقضاياهم إلى الكتاب والسنة؟﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أما قرأتم هذا الحديث [تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا، هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا](مسلم.2565).

أترضون بأن لا تقبل أعمالكم ما دمتم مصرين على العداوة والهجران؟. عاد إلي محاوري قائلا: هل تظن أن الناس لم يعلموا هذا الحديث؟ أو أنهم لا يعلمون بأن من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا؟ قلت: إنهم يعلمون، وإنهم ليتعمدون ذلك الفساد والإفساد والتقاتل: فسوقا وإجراما عن سبق إصرار وترصد، وإنهم ليحاربون الله ورسوله بجرائمهم وشراء السلاح لقتل إخوانهم، أو اتهامهم وسجنهم وقتلهم وكل ذلك من نزغ الشيطان. قال: ولكن  من يقرأ لك هذا المقال قد يقول: هذا من تضييع الوقت معهم فهم لا يسمعون ولا يستجيبون، ثم واصل قائلا: هل تظن أن الناس ينقلون ويروون هذه الدعوة، دعوة الصلح والتسامح ويقظة الضمير إلى الأخ اليمني، والشامي، والبغدادي، والليبي، والسعودي، والفلسطيني، ويقولون لهم: إننا ندعوكم إلى الصلح والتآخي؟ قلت قال الله تعالى مخبرا بالصدق على لسان علماء دعوا إلى الإصلاح، وسمعوا من النقاد نفس النقد الذي تكرره الآن. فماذا كان جوابهم؟  كان في قرية قوم من اليهود يفسقون ويعصون الله جهرة بالإفساد والعدوان، فنهاهم العلماء المخلصون منهم فما استجابوا فقال ناس من الذين لم يفسدوا ولم ينهوا عن المنكر:﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ فهؤلاء رأوا أنهم لا تغني معهم العظات، ولا الخطب والبيانات، ولا النداءات والمقالات، وهذا منبئ اليأس من حصول اتعاظهم، ووصف القوم بأن الله مهلكهم: يتبين منه أن فسادهم كان ظاهرا، ولكثرته يئسوا من صلاحهم، فقالوا عنهم الذي قالوه:﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾. فماذا كان ردُّ العلماء الذين لا يملون عن الدعوة إلى الوحدة والأخوة بين الشعوب والعشائر؟﴿قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[الأعراف:164] أن موعظتنا معذرة منا إلى الله، أي ندعو ونظل ندعو ونعظ ونبين للناس ما أمروا به لنعذر عند الله لقيامنا بواجب النصح والتذكير، ومن أجل أن يتوب المخطئون ويعود المفسدون إلى التقوى والرشاد. وكانت النتيجة ما أخبر الله  سبحانه عنهم ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾[الأعراف:165] فلما تركوا ما ذكّرهم به الدعاة المصلحون متناسين أمر ربهم مخالفين نصح علمائهم، مصرين على العناد وارتكاب الفساد. قال الله عنهم:﴿أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أي نجينا الناهين عن الفساد في الأرض ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي وأخذنا الظالمين العصاة بعذابٍ شديد وهم الذين ارتكبوا المنكر {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم وعصيانهم لأمر الله. قال محاوري: والآن؟ ماذا نقول لهؤلاء المتقاتلين والمصرين على العداوة والخصام؟ قلت: هل توافقني الآن بعد الدليل من القرآن بأنه يجب أن نعظ الناس حتى ولو قال لنا هؤلاء المخطئون والمتقاتلون والمفسدون لو قالوا بلسان المقال: دعونا ولا تعظونا، لوعظناهم ودعوناهم إلى الأخوة والتسامح والتصالح والتوبة إلى الإيمان والاحتكام إلى القرآن. فالمشركون قالوا للنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾[فصلت:5] هؤلاء مشركون ورفضوا الدعوة وما ترك النبي عليه الصلاة والسلام دعوتهم إلى الإسلام. ونحن ندعو إخواننا المؤمنين فكيف نمل من دعوتهم إلى الخير، والخير في تصالحهم وأخوتنا جميعا نحن معشر المسلمين. ونقدم للعقلاء منهم موعظة بليغة من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ](مسلم:2889) قال محاوري: مَيِّتُ القلب فقط هو الذي يسمع هذا الحديث ويبقى في خصام مع إخوانه.

قلت: والمفروض أن هذا الحديث يكتب في رسالة رسمية من قبل العلماء ويرسل رسميا إلى كل الحكومات والتنظيمات والجماعات والطوائف من المسلمين المتقاتلين والشعوب المعادية لبعضها، وكل الساقطين في فتنة الحروب الطائفية والذين يَدَّعُون بأنهم مسلمون بلسانهم وقلوب بعضهم مسودة على بعضهم من الحقد والكراهية والغل والجاهلية، إلى كل الذين لا يزالون يغضبون الله بقتال بعضهم ويفرحون الشيطان بعصيانهم وفسادهم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …