الرئيسية | حديث في السياسة | لست سياسيا !!/ التهامي مجوري

لست سياسيا !!/ التهامي مجوري

حاولت أن أفهم من خلال مناقشاتي مع الزملاء والأقران، وبعض المهتمين بالشأن العام، ما إذا كان ما أقوم به منذ عقود سياسة أم شيئا آخر؟ فلم أستطع الوصول إلى نتيجة تريح ضميري؛ لأنني أكتب وأقول وأحاول فهم أشياء وأقبل أشياء وأرفض أشياء، ولا أدري ما إذا كان كل ذلك سياسة أم لا؟

فأعلق على فعل سياسي.. وأعقب على تصريح رسمي أو غير رسمي.. وأثمن بعض ما يفعل أو يقال وأثني عليه.. وأعارض بعضه الآخر وأرفضه.. هل من يقوم بهذا يكون سياسيا؟ أم أنه يحتاج إلى أمور أخرى ليدخل عالم السياسة؟

وجانب آخر لم يساعدني على الوصول إلى نتيجة، هو أن الناس مختلفون في فهمهم للسياسة ولممارستها، ولعلاقتها بواقعهم..، فيسمعون كلاما في درس الجمعة بالمسجد فيما يمس واقعهم، فيعدونه سياسة.. ويدينون الإمام أو المدرس، وربما ترفع التقارير بأن الإمام تكلم في السياسة…، ويستمعون إلى متكلم في الشارع أو الحافلة أو المقهى يحلل الأحداث ويسب فلانا ويلعن علانا، فيقولون هذا سياسي.

ذلك أن القوم متباينون في فهمهم للسياسة كعلم أو ممارسة أو فن…إلخ

فمنهم من يرى السياسي هو الذي يتابع الأخبار، ويعرف كل صغيرة وكبيرة، مما تنشره الجرائد والمجلات، وتذيعه الإذاعات والقنوات الأرضية والفضائية، فتتشكل عنده بطول المتابعة قناعات وآراء، يصدع بها ولا يخفيها. وهذا الصنف من الناس قد لا تكون له علاقة بالسياسة، وإنما يتكلم من أجل أن يتكلم وكفى..، فتنتهي علاقته بالسياسة بمجرد انتهائه من الكلام.

ومنهم من يرى أن السياسي هو كل من أسس حزبا أو ناضل فيه بأي صفة كان، حيث أن المناضل الحزبي، لا يمكنه إلا أن يكون سياسيا، أو هكذا يتوهمون، ذلك أن المبادر بإنشاء الحزب، سواء من تلقاء نفسه، أو بإيعاز من جهة ما لتنشيط الساحة السياسية، الأصل فيه هو النضال من أجل الوصول إلى السلطة. ولكن هل كل المناضلين في الأحزاب يناضلون من الوصول إلى السلطة؟ وإذا كانوا كذلك، هل يحققون مرادهم بالمعارضة أم بالموالاة؟ وما موقع المشاريع السياسية في عملية المعارضة والموالاة؟ وفي كل ذلك ما هي الحدود الفاصلة ما بين هو سياسي وما هو غير سياسي؟

ومنهم من يرى أن السياسي هو كل من ترشح لانتخابات  محلية أو وطنية، سواء في إطار حزبي أو في قوائم مستقلة؛ لأن السباق الانتخابي هو عصب السياسة، ولذلك لا نرى في مجتمعاتنا العربية والإسلامية اهتماما بالسياسة والحراك فيها، إلا عندما تكون مناسبات انتخابية، أو هكذا يرى الناس واقعهم.

ومنهم من يرى أن مصطلح السياسي ينطبق على كل مهتم بالشأن العام؛ لأن الكلام في الشأن العام هو السياسة، والشأن العام هو الكلام عن أوضاع الناس وعن الكفاءات وعن مواقع النفوذ وعن التأثير والتأثر في الميدان، وعن كيفية تنشيط الحياة السياسية في الواقع بما يخدم هذا التوجه أو ذاك.

ومنهم من يعتبر أن السياسي هو المعارض للنظام والسلطة وليس الموالي؛ لأن الموالي عبارة عن “خماس” في مؤسسات السلطة، وبذلك يفقد صفة النضال، التي تعبر عن أهم مواصفات السياسي، ومن ثم لا يليق نعته بالسياسي.

ومنهم من يرى السياسي هو الكذاب والمنافق والمراوغ والمتهرب من كل التزام تمليه عليه إنسانية الإنسان، ولذلك استغرب المجاهد حسين آيت أحمد في بداية الانفتاح السياسي آواخر ثمانينيات القرن الماضي، دخول الإسلاميين المعترك السياسي، لأنهم اشتهروا بالعمل الدعوي في حياتهم النضالية، والفعل الدعوي غير الفعل السياسي، أو هكذا فهم آيت أحمد رحمه الله.

ومنهم من يرى أن السياسي هو الذي يملك القدرة على الدبلوماسية والمراوغة، بحيث يقدر على الوصول إلى المواقع والمناصب، ويتمكن من امتصاص طاقات الناس وقدراتهم ويوجهها الوجهة التي يريد.. فيقال  عنه سياسي لهذه الصفة.

لا شك أن للسياسي معنى مرتبط بعلم السياسة وفنون ممارستها، لكن ما المقدار الذي تلتقي فيه مع هذه الآراء المذكورة؟ .والجواب :  لا أدري.

ولكن ما فهمته إلى حد الآن من خلال مناقشاتي المشار إليها آنفا، أنني لست سياسيا، أو على الأقل لست سياسيا بهذه المفاهيم السطحية التي تغطي جل أذهان طبقاتنا الثقافية والعلمية وحتى الشعبية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عن أي شيء أحدثكم؟/ التهامي مجوري

تفصلنا أيام قليلة عن نهاية العام 2018، وتمنيت أن أتحدث عن شيء ذا بال في …