الرئيسية | شعاع | في النقد الذاتي… ثلاث مشكلات في طريق العمل الإصلاحي الدعوي/حسن خليفة

في النقد الذاتي… ثلاث مشكلات في طريق العمل الإصلاحي الدعوي/حسن خليفة

على أي نحو نظرت إلى واقعنا يمكن أن تجد الثغرات ـ من كل نوع ـ ..والواجب في تلك الثغرات أن تُسدَّ بأحسن ما يكون؛ حتى يتجاوز المجتمع المطبّات الكثيرة التي “حُفرت” في طريق الصلاح والإصلاح فيه. إن جؤار الشكوى يرتفع من كل فم تقريبا..ومؤدّاه أن المجتمع “غرق” أو هو بصدد الغرق..ولكن ـ في المقابل ـ ماذا يمكن أن نعمل بعد هذا التشخيص الذي يكاد يتفق عليه المجموع الكبير من الناس، ومظاهره المنكرة غير خافية على أحد…بل هي بادية لكل ذي عينين، حتى لا أقول لكل ذي قلب .

إذن..أين الإشكال؟ وأين يكمن الخلل؟

تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح في تجمعاتنا ولقاءاتنا وندواتنا ومؤتمراتنا وملتقياتنا وكل فضاءاتنا المعرفية والفكرية والدينية، في كل الجمعيات المدنية وأخص منها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي هي أم الجمعيات والأساس المتين في مجال العمل الإصلاحي الديني والتربوي والمجتمعي.وسواء أدركنا حجم ما ينتظره المجتمع من الجمعية ـ وهو كبير وضخم ـ أم لم ندرك، فإن المسؤولية عظيمة..عظيمة عند الله تبارك وتعالى، ثم أمام المجتمع نفسه، وسيأتي يوم الحساب ولابد ذات يوم..ولكل أجل كتاب.

الأسئلة الجديرة بالطرح هنا أمام ما يجري في واقعنا وما نعيشه ونعرفه ..هي:

ما العمل؟ ماذا يجب أن نعمل بالضبط؟ ومن يجب أن يعمل؟ وكيف ينبغي أن نعمل؟

دعنا نستعرض هنا شيئا مما ذكره الشيخ الغزالي رحمة الله عليه في كتابه الرائع “الغزو الثقافي يمتد في فراغنا” يقول مبيّنا ما انطوى عليه عمل خصوم الإسلام، وهو يتحدث هنا عن النصارى والمنصّرين :

 

عن طريق التطوع والإخلاص بقيت الكنائس تؤدي شعائرها الموروثة، وترسل بعوثها في أرجاء الأرض، وساندت ـ بحماسة بالغة ـ الحكومات الاستعمارية وهي تطارد فلول المسلمين المنسحبين هنا وهناك، والمعروف أن الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي يمتلكان ثروة ضخمة مرصودة لأعمال التنصير، ويبدو أن الموارد الموجّهة لهذه الغايات فيض لا يدركه غيض وأن”الأتقياء”* من الرجال والنساء يصلون الليل بالنهار لتحقيق أهدافهم المدروسة بعناية “ ص77 .

يعنيني من هذا النصّ الذي يبرز العمل الكبير المنتظم الدائم المتواصل للنصارى والمنصّرين والذي يدركه ويعرفه كل متتبع لحركة التنصير التدميرية (وغيرها من الحركات المنحرفة الأخرى) يهمني ثلاثة أمور أو ثلاثة مؤشرات  :

أ- طريق التطوع والإخلاص…وهو جزء مما ينبغي البحث عنه في كل عمل يريد الانتشار وتحقيق الغراس المطلوبة. وإن الدعوة إلى الله تعالى، وهي أجلّ وأروع وأمثل عمل، لهي أحوجُ ما تكون إلى هذا التطوّع والإخلاص من أي شيء أو عمل آخر. فهل حقق الدعاة وهم أطباء القلوب والنفوس هذا الأمر في دعوتهم وعملهم ـ الإخلاص والتطوع ـ مع اجتهاد وبذل وحرص واهتمام ومتابعة … وأين هي جموعهم ومجاميعهم وطاقاتهم حتى يدركوا مجتمعهم قبل…؟

إن الدعاة في بلدنا ـ كما في كثير من بلدان المسلمين ـ جموع  غفيرة وأعداد كبيرة..وأمثالهم من المقتدرين على الدعوة والعمل الطيب الصالح، كالتثقيف والتنوير والتحصين والتوجيه والتعليم والتربية..أمثالهم ألوف مؤلفة، ولكنهم للأسف لا يبذلون الوسع..ولا يقدّمون حتى الحد الأدنى اليسير في سبيل الله تبارك وتعالى؛ لأسباب متعددة ليس هذا مجال استعراضها، وإنما يهمّ التذكير والإشارة، فالسلبية التي تطبع أعدادا وفيرة من المقتدرين الطيبين مشكلة حقيقية تنتظر البحث.

وإذا جئنا إلى العاملين أنفسهم، سنجد أن جزءا غير يسير منهم لا يقدم عمله على ذلك النحو القويّ المتين المتتابع الباني الصابر المنتظم المرابط،  الذي يتيح الوصول إلى الثمرات المطلوبة وهي تصحيح مسار المجتمع ودفعه إلى الانخراط في الصلاح .

وقد نجد ـ للأسف ـ الكثير من الأدواء تنخر الساحة لأسباب ضعف الإخلاص أو قلة “التطوع” وغيرها من الأدواء والعلل..وقد سبق أن تحدثنا في هذا الموضوع في سياق “الطاقات المعطلة ” ونأمل أن تأتي الفرص التي تسمح بتشريح هذا الأمر بما يجعل إدراكنا للمسألة كله إدراكا حقيقيا واعيا .لعلنا نستدرك بعض ما فات.

ب ـ الأمر الثاني وهو ما أشار إليه النص من “المسلمين المنسحبين ” وهذه ظاهرة مؤذية كل الإيذاء..لها صلة بالظاهرة السابقة..فإن من يدرس المجتمعات المسلمة يجد فيها امتداد هذه الظاهرة بشكل مؤلم للغاية، فالانسحاب والإهمال وعدم الاكتراث..وهي كلها مسميات لمسمّى واحد لما يمكن التعبير عنه بـ”الاستقالة”. إنها إحدى الظواهر التي زحفت على المجتمع بشكل بشع يكاد يغطي كل جوانبها ونواحيها.  وما أكثر المناسبات التي تُطرح فيها هذه المسألة وشبيهاتها: انسحاب الناس وعزوفهم ..، ولنشر على سبيل المثال إلى ما يتعلق بالإقبال على القرآن حفظا وتعلّما وتعليما وتدبرا ودورات وورشات ولقاءات، وقل مثل ذلك عن الدروس واللقاءات والورشات..ألسنا نجد النسوة أكثر حظوة وأكثر اهتماما من الرجال في هذه المآدب القرآنية النبيلة الرائعة؟ لمَ يكثر عدد النساء ويقلّ ـ بل يكاد ينعدم ـ عدد الرجال والذكور عموما.

لقد رأينا في الكثير من الأحايين أنشطة وفعاليات ليس للرجال فيها أي دور أو حضور؟

فأين الرجال؟ وما هي معاني هذا الانسحاب القبيح؟ .وما الذي ننتظره من هذا الإهمال في الانخراط في عمل الخير والصلاح، سواء في الجمعية أو في غيرها من الفضاءات .

وإذا ولّينا وجوهنا تلقاء القيام بالمسؤوليات الأسرية نجد أيضا هذا الانسحاب الرجالي في متابعة الأبناء في مدارسهم وثانوياتهم وجامعاتهم ومختلف المؤسسات التي يتكونون فيها. وبالطبع ثمة استثناء، لكنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ..وهي الانسحاب..انسحاب واستقالة الآباء …من المسؤوليات. بما في ذلك مسؤولية الدعوة والإصلاح.

ج ـ الأمر الثالث: تحقيق أهدافهم المدروسة بعناية: وهذا في حد ذاته أمر يحتاج إلى مقالة مستقلة..فإن عمل المؤمنين والدعاة إذ يخلو من أهداف تُرسم وغايات تُرسّخ وسعي متبصر مدروس وقابل للقياس والمتابعة والتطوير..لن يكون سوى حرث في البحر..ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عن العربية ووجوب نُصرتها/ حسن خليفة

اتصوّر أن مما يجب الاهتمام به، على صعيد العمل الحضاري الإصلاحي الذي تُبذل فيه جهود …