الرئيسية | وراء الأحداث | محاربة الفساد: مسألة قوانين، أم إرادة سياسية؟/ عبد الحميد عبدوس

محاربة الفساد: مسألة قوانين، أم إرادة سياسية؟/ عبد الحميد عبدوس

دخلت الجزائر العام الجديد (2019) بنص تشريعي جديد يدعم قانون مكافحة الفساد، حيث صادق مجلس الوزراء المجتمع يوم 27 ديسمبر 2018 تحت رئاسة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، على تعديلات جديدة تكمل القانون الصادر في 2006 والمتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، ومن أهمها استحداث قطب جنائي مالي يكون له اختصاص وطني مكلف بالقضايا المالية المعقدة منها المتعلقة بالفساد، وكذلك توفير الحماية القانونية للمبلّغين عن وقائع فساد بما في ذلك على مستوى محيطهم المهني، مع تعزيز مهام وصلاحيات الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته. واعتبر رئيس الجمهورية بعد المصادقة على مشروع القانون، أن الفساد “آفة عالمية لم يسلم منها بلدنا”.

اعتراف رئيس الجمهورية بأن “بلدنا لم يسلم من آفة الفساد” يدل على أن ظاهرة الفساد مازالت من أخطر المشكلات التي تواجه الدولة بسبب تعدد مظاهره وصوره، بل أن آفة الفساد ما فتئت تتضخم وتتوسع بشكل مخيف، رغم إنشاء العديد من الأجهزة والآليات الخاصة بمكافحة الفساد كمجلس المحاسبة (1980) والديوان الوطني لقمع الفساد (2011) والهيئة الوطنية للوقاية من الفساد (2016)  إضافة إلى استصدار ترسانة من القوانين الخاصة بمكافحة الفساد في الجزائر.

ومن أهم النصوص التشريعية لمحاربة الفساد قانون الوقاية من الفساد ومكافحته الذي صدر في 20 فيفري 2006 والمتكون من 73 مادة وتحدد المادة الأولى أهدافه المتمثلة في :

دعم التدابير الرامية إلى الوقاية من الفساد ومكافحته، وتعزيز النزاهة والمسؤولية والشفافية في تسيير القطاعين العام والخاص، وتسهيل ودعم التعاون الدولي والمساعدة التقنية من أجل الوقاية من الفساد ومكافحته، بما في ذلك استرداد الموجودات.

ويتضمن القانون العديد من المواد المجرمة للفساد والرادعة لمرتكبيه منها  المادتان 4 و5  اللتان تفرضان التصريح بالممتلكات بالنسبة لكبار موظفي الدولة وأبنائهم القصَّر، دون الإشارة إلى ثروة زوجات المسؤولين، كما تنص المادة 6 على نشر التصريح بالممتلكات بالنسبة لكبار موظفي الدولة في الجريدة الرسمية أو في لوحة إعلانات البلدية، وتفرض ذات المادة التصريح بالممتلكات بالنسبة لكل الموظفين العموميين وتفرض المادة 14 من قانون مكافحة الفساد على أسلاك الأمن والعدالة التحقيق في التسيير السيئ للشركات الخاصة وعدم تصريحها بالنفقات الحقيقية، كما تنص المادة 15 من ذات القانون على أن الإعلام يجب أن يكون شريكا في مكافحة الفساد عن طريق تمكين وسائل الإعلام من المعلومة، وتنص المادة 20 على أن من بين مهام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد جمع واستغلال المعلومات الخاصة بالتصريح بممتلكات المسؤولين في الدولة، واستغلال التصريح بالممتلكات الذي يقدمه الموظفون العموميون والمنتخبون الذين يشغلون مناصب تنفيذية في التحري والتحقيق حول الأموال غير الشرعية التي يحوزها موظفو الدولة. وتنص المادة 36 على عقاب كل موظف خاضع لقانون التصريح بالممتلكات ولا يصرح بممتلكاته خلال شهرين من توليه المسؤولية، بالسجن لفترة تصل إلى 5 سنوات كحد أقصى، تنص المادة 37 على عقاب كل موظف عمومي أو منتخب بالحبس من سنتين إلى 10 سنوات وغرامة مالية لا يمكنه تقديم مبرر للزيادة التي طرأت في ذمته المالية، وتنص المادة نفسها على أن كل شخص يساهم في إخفاء الأموال المتأتية من الرشوة يعاقب بنفس العقوبة وهو ما يعني أن العقوبة تشمل أيضا أقارب الموظف. وتشير المادتان 47 و48 إلى أن كل شخص يعلم بحكم موقعه أو وظيفته بوقوع مخالفة قانونية تتعلق بالفساد يعاقب بالسجن لفترة تصل إلى 5 سنوات بتهمة عدم الإبلاغ عن جريمة، كما تتضاعف العقوبة عندما يشغل هذا الشخص منصبا في العدالة أو مصالح الأمن.

ورغم هذه المواد القانونية الصارمة فهل استطاع قانون الوقاية من الفساد ومكافحته أن يضع حقا حدا لثراء المسؤولين بسبب استغلال المنصب وتلقي الرشى، أم أن  قضايا الفساد أصبحت أشبه بجبل الجليد الذي يكون الجزء الخفي فيه أعظم من الجزء الظاهر؟

بعد صدور قانون الوقاية من الفساد ومكافحته في2006  تراجعت مكانة الجزائر في التقارير السنوية التي تعدها منظمة الشفافية الدولية سنويا حيث تدهورت رتبة الجزائر من المرتبة 84 في سنة 2006 إلى المرتبة 112 في سنة 2018، من بين 180 دولة، أي أن الجزائر بدل من أن تحسن ترتيبها بين الدول المكافحة للفساد تراجعت بما لا يقل عن 28 رتبة.

صحيح أن تقارير منظمة الشفافية الدولية ليست حقائق يقينية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فالجزائر التي تصنفها هذه المنظمة ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم، انتقدت المنظمة لكونها  تهمل مسألة الغش الجبائي وتضخيم الفواتير الموجودة بكثرة في الدول المتقدمة وتعتمد بالدرجة الأولى على طلب الرشوة وتهمل عرضها، وهذا يضع الدول النامية دائما بمؤخرة الترتيب، أن حجم القضايا المتعلقة بالفساد ليس هو المعيار لمدى تفشي هذه الظاهرة. إن وجود قضايا كثيرة تتعلق بالفساد يعني أن مصالح الأمن والقضاء يقومان بدورهما.

وعلى سبيل المثال ففي سنة 1991 تحدث عبد الحميد إبراهيمي الوزير الأول في حكومة الرئيس الشاذلي بن جديد عن نهب 26 مليار دولار وانتشر هذا الخبر انتشار النار في الهشيم وسرعان ما ملأ وسائل الإعلام وشغل الناس على مدى شهور، وفي عام 2014 تحدث اللواء حسين بن حديد قائد الناحية العسكرية الثالثة الأسبق عن نهب 37 مليار دولار، ولم يحرك هذا الخبر جهاز العدالة، بل لم تتناقله أغلب وسائل الإعلام، ولم يسمع به الكثير من المواطنين.

وأصبحت قضايا الفساد تتابع ويتم التحدث فيها عن اختلاسات بملايير الدولارات على غرار قضية بنك الخليفة (2007)، قضية سوناطراك (مارس2015) قضية الطريق السيار(ماي2015)

وفي شهر ماي 2018 تسرب إلى وسائل الإعلام خبر حجز كمية هائلة من مخدر الكوكايين قدرت بـ 701 كلغ  كانت على متن باخرة قادمة من البرازيل حجزت من طرف قوات البحرية الوطنية على مستوى ميناء وهران، وأصبح اسم كمال شيخي المدعو كمال البوشي يتصدر عناوين الصحف متداولا على ناطق واسع في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي كمتهم رئيسي في هذه القضية والأكثر من ذلك تم ربطه بشخصيات كبيرة سياسية وعسكرية. ومازالت القضية تحت نظر العدالة .

وفي 14 أكتوبر 2018 أودع خمس جنرالات وعقيد الحبس المؤقت في قضايا فساد، بأمر من القضاء العسكري الجزائري بعد مثولهم أمام المحكمة العسكرية بتهمة “الثراء غير المشروع واستغلال الوظيفة السامية”. وبحسب إحدى الجرائد فإن هذا الإجراء القضائي جاء  بعد أن “طلب رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة في وقت سابق عدم التسامح مع الفاسدين وأسدى تعليمات لعدم استثناء أي مسؤول من المتابعة القضائية، حيث أنهى سياسة اللاعقاب مع المسؤولين المدنيين والعسكريين الفاسدين، وفي5 نوفمبر 2018 نشرت وسائل الإعلام خبر الإفراج عن الجنرالات المعتقلين. ولم يعرف الرأي العام  ما هي حقيقة التهمة التي أوقف بموجبها هؤلاء الضباط السامون، ولماذا أفرج عنهم، بعد حوالي ثلاثة أسابيع من إيداعهم الحبس الاحتياطي؟

ولا مراء في أن انتشار الفساد أصبح ظاهرة عالمية تجاوزت الحدود الزمانية والمكانية ومست كل الدول سواء أكانت غنية أو فقيرة، ولكن من المؤكد أن محاربة الفساد والوقاية منه لا يكون بمجرد إصدار القوانين وإيجاد الآليات والهيئات في غياب إرادة سياسية صارمة،  وفصل حقيقي بين السلطات، وعدالة فعالة ومستقلة، وصحافة حرة وقوية، وتفعيل منظمات المجتمع المدني لممارسة رقابة تحمي الثروات الوطنية.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفوذ إسرائيل يتمدد وفرنسا تتهود !؟/ عبد الحميد عبدوس

شهدت فرنسا في الأسبوع الماضي تحركات رسمية وشعبية كثيفة للتنديد بما تعرض له يوم السبت …