الرئيسية | اتجاهات | الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على العالم / محمد الحسن أكيلال

الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على العالم / محمد الحسن أكيلال

 

  • 2 –

بين التكتيك والاستراتيجيا

الإدارة الأمريكية في قمة الارتباك، الرئيس “ترمب” فقد السيطرة على الموقف بعد سلسلة الاستقالات التي قدمها أقرب المقربين إليه وآخرهم وزير الدفاع وسفيرة البلاد لدى الأمم المتحدة والتصريحات التي أدليا بها في معارضة الرئيس وقراراته الصادمة، وخاصة تلك التي تتعلق بالسعودية وسوريا.

لقد فقد الرئيس البوصلة، وأصبح اعتماده على شعبويته التي منحته الكثير من الثقة بنفسه في السنة الأولى من عهدته يدفع به فعلا إلى المزيد من التهور والتعنت إلى درجة الاصطدام بكبار المؤطرين لهذه الشعبوية وتلك الجموع الغفيرة من ناخبيه من الإنجيليين المعمدانيين والمحافظين المتزمتين، لقد وصل به هذا التعنت إلى إغلاق كثير من مكاتب الحكومة الاتحادية بسبب وقوف الأغلبية في مجلس النواب ضد قراره ببناء جدار على الحدود مع المكسيك ورفض الأغلبية التصديق على ميزانية هذا البناء.

ربما لم يعد يعي ما يفعل وهو يقوم بعملية تفكيك للبناء الذي شيده أسلافه وفق الاستراتيجية الجديدة للسيطرة على العالم التي بدأت في “جيمي كارتر” الديمقراطي و واصلها ودعمها “ريغان” الجمهوري. لم تكن الخلافات الإيديولوجية بين الرؤساء السابقين من ديمقراطيين وجمهوريين تمنعهم من مواصلة تنفيذ هذه الاستراتيجية، بل لم يحدث إطلاقا ظهور نشاز في التناغم الهارموني لها ما بين مختلف العهدات الرئاسية المختلفة، فمن تفكيك الاتحاد السوفييتي والصومال و تخريب الجزائر إلى تدمير العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا رغم خضوعها التام لإرادتها وتفكيك كل برنامجها النووي ونقله إلى أمريكا، ولكن ذلك لم يشفع لها فأوعزت إلى حليفتها فرنسا لتدميرها بشكل كامل و قتل رئيسها. لقد كان هذا آخر فصول هذه الاستراتيجية التي كانت ستنتهي بإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط والأدنى لولا العناية الإلهية التي أوصلت “ترمب” إلى سدة الحكم في هذه الإمبراطورية العملاقة التي تجوب أساطيلها البحار والمحيطات بحاملات الطائرات والبوارج والغواصات النووية والصواريخ المجنحة و الباتريوت، ومع ذلك يبدو وأن لكل شيء نهاية، وساعة الحسم قد دنت لنهايتها على الأقل في هذه المنطقة من العالم، كما أن نهاية اللّوبي الصهيوني المتحكم في مفاصل هذه الإدارة قد آن أوان تفككه، وصفقة القرن التي أعلن عنها هذا الرئيس المغامر لإرضاء ابنته وزوجها “كوشنر” قد أجلت إلى أجل لن يكون.

“الخاشقجي” ينسف الاستراتيجية واللّوبي في آن واحد

كان كل شيء يسير وفق الخطط والبرامج المضبوطة بإحكام للإعلان عن آخر فصول صفقة القرن التي بدأها بإعلان القدس عاصمة أبدية لدولة الكيان الصهيوني ونقل السفارة من تل أبيب إليها وإيقاف الدعم المالي للسلطة في رام اللـه والأونروا التي تعيل أسر اللاجئين في القطاع والشتات، وكانت مقدمة التطبيع للعرب الحقيقيين كما يسميهم “نتانياهو” قد بدأت أول فصولها في الظهور بتصريحات “محمد بن سلمان” ولي العهد السعودي الوعود بعرش المملكة العتيدة أثناء الزيارة التي قام بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية للترويج لاسمه وشخصه وأفكاره ومعتقداته ما أثار حفيظة الكاتب الصحفي “جمال خاشقجي” ليقرر نفي نفسه في أمريكا والعمل في جريدة “الواشنطن بوست” وبداية الهجوم المضاد لحركة ولي العهد بواسطة مجموعة من التصريحات والمقالات والحوارات مع قنوات تلفيزيونية أغضبت الملك وابنه وكل اللّوبي الصهيوني ودولة الكيان المحتل لفلسطين فقرر الجميع التخلص من هذا الصحفي المشاكس والتخلص نهائيا منه بتلك الطريقة المتوحشة التي لم تشهد لها البشرية مثيلا، فكانت العملية بمثابة تفجير للوبي الصهيوني أولا ولتفكير “ترمب” ثانيا ولصفقة القرن ثالثا وللتحالف الغربي المتدخل في سوريا ومن وراءه وخلاله التحالف الإمبريالي الغربي الأطلسي أخيرًا وقد بدأ التفكير في فقدان الثقة في أمريكا واعتماد أوروبا على نفسها أمنيا وعسكريا، بحيث صرح الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بما يعنيه وكانت النتيجة ما يواجه الرجل في عقر داره في هذه الأيام – للتذكير فإن الاستراتيجية التي وضعها الثلاثة (لجنة الثلاثية) في سبعينيات القرن الماضي كان تنص على رفض الاتحاد الأوروبي – والدلائل كلها هذه الأيام تشير إلى بداية تفككه، وقد بدأت العملية من بريطانيا التي انسحبت منه و البقية تأتي في الأيام والسنوات المقبلة، لكن لا بد من التذكير بأن تفكك الاتحاد الأوربي الذي تتحكم فيه أيضا لوبيات صهيونية مثل أمريكا يعني تفكك كل اللّوبي الصهيوني في العالم.

سوريا تقلب المعادلة

في سوريا يقع جبل أرمجيدون الذي حدد جغرافيا لآخر معركة بين المسلمين واليهود لظهور المسيح الدجال الذي سيحكم العالم طبقا للفرضية الأسطورة وسوريا ليست القطر الحالي جغرافيا، بل سوريا الكبرى التي تضم كل الأقاليم التي تفرعت منها حسب تقسيم اتفاقية “سايكس بيكو” عام 1916، وهذه الأقاليم هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

منذ عام 2011 –بداية الربيع العربي – والحجاج المسيحيون من الإنجيليين الأمريكيين ما انفكوا يتناوبون على زيارة فلسطين المحتلة أملا في حضورهم للحرب المنتظرة ورؤية المسيح؛ ولقد عرفت سوريا أقسى مآسي الحروب الأهلية التي أضرمتها مخابرات الدول الغربية الكبرى بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وتمويل الدول العربية الخليجية الثرية التي كانت أيضا في حالة انتظار هذه الحرب التي تقوم القيامة بنهايتها.

إن سوريا التي كانت البداية والبدء، ستبقى هي البداية والبدء، لا كما قال “فوكوياما” في كتابه نهاية التاريخ، وهو واحد من لجنة الثلاثية، أضيف اسمه في القائمة لإخفاء حقيقة المكونين الأصليين الثلاثة وهم من البيض الأوروبيين الصهاينة المسيحيين الإنجيليين باستثناء “هنري كيسنجر” اليهودي الألماني الأصل، فسوريا التاريخ والحضارة كانت وستبقى تصنع التاريخ، و”هنري كيسنجر” و”فوكوياما” ما زالا حيين يعيشان الإخفاق والفشل الذريع للاستراتيجية التي وضعوها مع “بريزنسكي” و”روكفلر” للسيطرة على العالم؛ وفلسطين المحتلة التي هي جزء لا يتجزأ من سوريا الأصلية الكبرى مثلما كانت سببا للنكبة والنكسة والهزيمة ستكون سببا لاستعادة الأمجاد ونشوة النصر، والموعد آت عن قريب، وما انسحاب القوات الأمريكية بقرار من “ترمب” الذي أغضب كل أصدقائه وكل الصهاينةالمتطرفين الأكثر وعيا وإدراكا لمخططاتهم واستراتيجيتهم لا لأنه يريد الهزيمة لأمريكا وانسحابها من الشرق الأوسط، بل لكونهم ببساطة يعتقد أنه الأكثر فهما وإدراكا، فهو متعنت لا يرى أبعد مما بين قدميه. فهو قرر الانسحاب من الشمال الشرقي السوري للاحتفاظ بالعراق، ودون أن يدري أنه وقع في الفخ الذي نصبه بنفسه لنفسه، فالعراقيون قرروا محاربة التواجد الأمريكي في بلادهم، وهذا يعني فتح كل الجغرافيا الممتدة من إيران إلى سوريا ولبنان، يعني إزاحة العوائق والعراقيل أمام قوى المقاومة التي ستكون سببا في زوال إسرائيل و حلفاءها.

سوريا هي البداية وهي البدء في عملية إعادة بناء جدار المقاومة، وهي التي طردها العرب الحقيقيون كما يسميهم “نتانياهو” من جامعة الدول العربية، ولكنهم يبدو أنهم لعنوا إبليس وبدأوا يتقربون من الرئيس الشاب الدكتور “بشار الأسد” الذي قرر ألاّ يكون “حسني مبارك” ولا “زين العابدين بن على” ولا حتى “صدام حسين” أو “معمر القذافي” رحمهما الله.

لقد قرر “بشار الأسد” أن يكون صادقا في تحالفه مع روسيا التي أمدت بلاده وجيشه بالسلاح المطلوب وما زالت. لقد عرف أن أمريكا والغرب الإمبريالي الرأسمالي لا يؤتمن جانبهم فبقي في موضعه يقظا ساهرا حتى تمكن من استرجاع زمام المبادرة في بلاده وشحن عزائم وإرادات جنوده وضباطه ويقوم بالهجوم المضاد الذي أصبح يرعب العدو الصهيوني هذه المرة.

إن فلسطين في حالة استعداد قصوى بقواها الحية المتمثلة في فصائل المقاومة، وهي تصطف بصدق وراء الجيش السوري بمعية حزب اللـه اللبناني، وكل هذه الجيوش تصطف بدورها مع الجيش الإيراني وحرس الثورة؛ كل هذه القوى تتحالف مع روسيا الاتحادية و الصين الشعبية اللتين أصبحتا تشكلان خطرًا على أمريكا و حلفاءها والكيان الصهيوني.

لقد كانت سوريا مختصة منذ الأزل بصناعة التاريخ، وهي ما زالت تواصل هذه الصناعة بحذق ومهارة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مؤتمر وارسو.. إعلان التطبيع/ محمد الحسن أكيلال

  الصراع الخفي بين روسيا الاتحادية ممثلة للشرق والولايات المتحدة الأمريكية ممثلة للغرب بلغ أقصى …