الرئيسية | في رحاب الشريعة | مقومات الوحدة بين مفهوم الجماعة والـولاء العام/ محمد مكركب

مقومات الوحدة بين مفهوم الجماعة والـولاء العام/ محمد مكركب

البحث عن مقومات وحدة الأمة الإسلامية، لا يتم إلا في إطار المفهوم الشرعي العام لجماعة المسلمين وانتمائهم، ذلك لأن اتحاد وتعاون أبناء الأمة الإسلامية غاية ووسيلة في نفس الوقت، غاية لأنه فرض علينا أن نتآخى في الله، وأن نتعاون على البر والتقوى، ووسيلة لأنه لا يستقيم أمرنا سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودفاعيا إلا باتحادنا، وهذا أمر مجمع عليه ولا يغيب عن بال عاقل من المسلمين.
فمن حيث أن وحدة المسلمين فرض، أنزل الله العلي الحكيم آيات كثيرة ورد فيها الأمر بوحدة اجتماع المسلمين والنهي عن التفرق والاختلاف. منها قول الله تعالى:﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾[النساء:115] ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي من يخالفه في الدين ولم يعمل بالشرع الذي شرعه الله، ويشاقق: من الشق فإن كلا من المتخالفين في شق غير شق الآخر. قال القرطبي:[والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين].
وفي الحديث. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ، السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَالجِهَادُ وَالهِجْرَةُ وَالجَمَاعَةُ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ، وَمَن ادَّعَى دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ]، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قَالَ: [وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بِدَعْوَى اللهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ، عِبَادَ اللهِ](الترمذي.2863).
ووحدة الجماعة تقتضي، وحدة الإمامة، ووحدة المؤسسات الجامعة لأمر الأمة، ووحدة الانقياد.
فما هو مفهوم الولاء العام؟:
والولاء هو السمع والطاعة، والولاء هو الموالاة وهو الاتباع، والولاء لله: طاعته، وامتثال أمره. ويطلق على القرابة، والنصرة، والمحبة، والطاعة. والولاء العام بين المؤمنين: هو التناصر والتكافل بينهم. قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فالمؤمن للمؤمن، من مقتضيات الولاء العام، والمسلم أخو المسلم، من أسس الولاء العام. وقول الله تعالى:﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾[سورة المائدة:54/56].
المقصود بالمقومات في هذا البحث؟:
إنها العوامل والأسس التي تجمع القوم على منهج واحد، ونحو هدف واحد، وعلى خصائص واحدة. على ضوء المعنى اللغوي للقوم، أو الشعب بالمفهوم المعاصر، أو الأمة، وهم الجماعة من الناس تجمعهم روابط وأصول يجتمعون في إطارها متكافلين في ولاء عام.
فما هي مقومات الوحدة الإسلامية؟
المقوم الأول: القرآن الكريم. قال الله تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[آل عمران:103].
وقال تبارك وتعالى:﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[الأنفال:62/63].
ومن الأقوال الحسنة المأثورة في بيان فضل القرآن الكريم ما رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [كِتَابُ اللهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا:﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾[الجن:2] مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] (الترمذي.كتاب فضائل القرآن.2906).
المقوم الثاني: السنة النبوية.قال العرباض بن سارية رضي الله عنه: [صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: [أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ](أبو داود.4607).
ومن محدثات الأمور التي ظهرت وحذر منها: الفرق والمذاهب والأحزاب التي كانت سببا في تفريق المسلمين. {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[الروم:30/32).
المقوم الثالث: ما أجمع عليه الخلفاء الراشدون. وسائر علماء الصحابة رضي الله عنهم. أن كل مؤمن أخ لجميع المؤمنين والتناصر بينهم فرض واجب. والأخوة مشروطة بالإيمان والإسلام، قال الله تعالى:﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾[التوبة:11].
ومن المقومات الجامعة للأمة: التاريخ، والمصير المشترك، والموطنة القطرية، والاقتصاد، بناء على مبدأ التكامل العمراني.
وأهم ما يجمع الجماعة ويحفظ وحدتها وتماسكها هو طاعة الولاء لقيادة واحدة جامعة تشرف على خصائص القوم. ومنها وحدة الانتماء للدين، والإفتاء، والمناهج الاجتماعية، والراية، والمصطلحات المؤسساتية.
والجماعة التي دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم: هم جماعة كل المؤمنين الموحدين المتحدين في مجتمع متكامل متكافل، يجمعهم الدين والإمامة بالبيعة الشرعية، ومنهاجُ الشريعة الإسلامية، ومؤسساتُ الأمة الجامعة لكل أفراد الأمة: كمؤسسة التربية والتعليم، ومؤسسة المالية في نظام الخراج والزكاة، ومؤسسة القضاء والإفتاء، وخصائصُ الدولة: كالراية، والعملة، والهوية، والمصطلحات الجامعة.
المقومات التطبيقية ونذكر منها: 1 ـ المنهاج التربوي التعليمي الذي يطبق في كل المؤسسات التعليمية. 2 ـ المنهاج التكاملي المنبري الذي يجب أن يكون له نفس الهدف في وحدة الأمة، والمنهج المنبري التكاملي بين منبر المسجد، ومنبر الإعلام، ومنبر الساسة، ومنبر المدرسة. 3 ـ المنهاج المصطلحي الرسمي للانتماء، وإلغاء المصطلحات الفرقية المفرقة. 4 ـ إلغاء الحزبية الفكرية المقسمة، وتأصيل النظام الجمعوي التخصصي. 5 ـ العمل بالدينار الذهبي. 5 ـ استعمل اللغة العربية في التعليم، والخطاب، والإدارة. 6 ـ أن يجمع الأمراء العلماء ويفتحوا جسور التشاور العلمي الصادق والشامل.7 ـ اجتماع العلماء العاملين في الساحة الدعوية كلهم. 8 ـ عدم الخوض في الفرق المحدثة لأنهم ليسوا على شيء من منطق وحدة الأمة.9 ـ لا يستعمل في التسمية العامة في الانتماء الديني إلا التسمية التي سمانا بها الله تعالى، وقد سمانا المسلمين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …