الرئيسية | في رحاب السنة | شبهة المستشرقين والمبشرين في رمزية البيت/ خير الدين هني

شبهة المستشرقين والمبشرين في رمزية البيت/ خير الدين هني

صدر الأمر من الحق سبحانه لبناء البيت، وهو أول بيت وضع للناس ليكون مثابة لهم، ومكانا آمنا يأوون إليه حين يخافون، فيطمئنون على حياتهم وأرواحهم وأموالهم وأعراضهم. ونسبة البيت إلى الباري سبحانه هي نسبة تشريف وتعظيم وتقديس ليس إلا، لارتباطه بشعائر تعبدية في صلاة أو حج وعمرة، وليس ارتباط مأوى ومبيت واستراحة، وهذا الارتباط ليس إلا  ارتباطا معنويا، إذ لا يحمل في ذاته الصورة المادية لمعنى البيت الذي يأوي إليه الناس للراحة والهدوء والطمأنينة، ويقيهم من قساوة الطبيعة بردا وحرا، ويستريحون فيه من أتعاب الحياة وقساوتها؛ فالحق سبحانه ذات غير مجسدة في أي صورة يتخيلها الإنسان، فهو متعال عن التجسيد والحلول والتحيز في الزمان والمكان؛ وهو في كل يوم في شأن لا يعلمه إلا هو. والصور المادية المركبة في أعراض وجواهر والمتحيزة تحيزا مكانيا وزمانيا، مما قد ترد في تخيلات البشر، هي عبارة عن صور  ركبها العقل من مدركات حسية، استلهمها من عالمه المادي الذي تحكمه قوانين الفيزياء المادية التي تحكم عالمه الأرضي، وما يحيط بها من كواكب وأجرام هي من نفس مادة الأرض، وهي صور متحركة لكونها متحيزة في فراغ، وضمن كينونة تنظمها حركة الزمكان بأبعادها الأربعة، وكل صورة مركبة تركيبا ماديا هيلانيا هي صورة تتصف بالتحيز، لأنها تجد الفراغ الذي تتحرك فيه، وكل متحيز هو ناقص وكل ناقص متغير وكل متغير فانٍ وكل فان انتفت عنه صفة الكمال المطلق التي هي من صفات الباري تقدست صفاته. ومن صفات الكمال المطلق هو الدوام على صورة غير متغيرة لأنها ليست جسما مركبا، ولا متحيزة لأنها لا تجد فراغا تتحرك إليه، ولا متحركة لأنها ليست حالة في مكان، ولا يمكن أن توصف ذات الباري سبحانه بالطول أو القصر أو العرض أو العمق، أو الارتفاع أو الانخفاض أو الكل أو الجزء…وتنعدم عنها المماثلة والمشابهة والمكافأة. وهو كما وصف نفسه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. بين الحق سبحانه في هذه الآية بأنه ليس مركبا في صورة هيولانية مما قد يتصورها البشر، ولكنه أثبت لنفسه صفة السمع والبصر بدون تكييف، وهذا هو الذي يؤمن به المسلمون.

خلافا للنصارى الذين يؤلهون عيسى، عليه السلام، فيجعلونه من ذات إلهيه، وهو في صورة مركبة تركيبا بشريا، تخضع لقوانين الفيزياء المادية، أي المركبة والمتحيزة والمتحركة والمتغيرة بالمؤثرات الخارجية، التي تتحكم فيها قوانين الخصوبة والإنجاب والفتوة والشيخوخة والهرم، والطعام والشراب والإفراز والعواطف النبيلة والعواطف الشريرة، والمأوى والحرارة والبرودة، والحركة والسكون والنوم واليقظة، والأم واللذة، والحياة والموت والفناء،  لأنها حياة هيولانية محكومة بقانون الطبيعة الذي هو من خلق الله سبحانه.

ولهذه الأسباب المنطقية، فإن عيسى عليه السلام تنتفي عنه صفة الألوهية، لأنه لا يتصف بصفات الكمال المطلق التي هي صفات إلهية، لا يشاركه سبحانه فيها أي كائن محدَث، لأن الحدوث فعل خاضع لقانون العلية، والحدوث فعل مركب على قواعد السلسلة الوراثية، أثبتها العلم اليوم، وهذه السلسلة الجينية تجعل الأجناس ترث خواص أسلافها المخزنة في بنيتها النووية، فالإنسان يرث خواص أسلافه البشرية، والأسود ترث خواص أسلافها من الأسود، والنباتات بكل أنواعها ترث خواص أسلافها، وكذلك الزواحف والحيتان والطيور، والكائنات المجهرية وأنواع البكتيريا والمكروبات…وغيرها، ويستحيل أن يرث جنس ما خواص جنس آخر، وتجارب الحياة شاهد على ذلك، فكيف بعيسى عليه السلام أن يحمل في جيناته خواص إلهية  وصفاته الجينية غير متماثلة مع الصفات الإلهية ولا متناظرة ولا متكافئة. وقوانين الكيمياء الحيوية (أحد فروع العلوم الطبيعية يختص بدراسة التركيب الكيميائي لأجزاء الخلية في مختلف الكائنات الحية، سواء أكانت كائنات دقيقة مثل: البكتيريا، والفطريات والطحالب، أو كانت راقية كالإنسان والحيوان والنبات) تنفي ذلك كلية.

ولذلك باءت نظرية داروين بالفشل الذريع، لأنها خالفت قانون الطبيعة في الخلق والحدوث، ولا يمكن أن تحدث الطفرة (الطفرة في علم الأحياء هي أي تغير يحدث في المعلومات الجينية – المعلومات الوراثية الحيوية المشفرة في تسلسلات حمض نووي، ريبوزي منقوص داخل الجنس الواحد)، ولو فرضنا –جدلا- حدوث ذلك مع الإنسان كما تقول نظرية داروين، لبقي في جعبتنا سؤال كبير يطرح نفسه بإلحاح، وهو لمَ لم تحدث هذه الطفرة مع بقية القرود التي مازالت تحافظ على خصائصها الخلقية والسلوكية؟

فالطفرة خارج الجنس نظرية غير منطقية ولا علمية، فلا يمكن أن يلد قرد بليد يكسوه الشعر ويعيش حياة طارزو في الأدغال، إنسانا جميلا وقويما وذكيا، ولا تلد لبوءة  ضبعا أو ذئبا، ولا تلد حية كوبرا سحلية..لأن الصفات مشفرة في تركيبات جينية لكل كائن حي…فالمنطق غير السليم يخدعنا لأنه يميل ببساطة إلى تعميم المدلولات في بعض التصورات التي تصادفها في حياتنا، ودرجة فهمنا للأشياء التي نريد أن نتصورها ما هي إلا مرآة لخبرتنا المحدودة.

ولذلك نخلص إلى أن الحق سبحانه لا يتحيز في مكان تحاصره أربعة جدران مترجرجة وغير مسقوفة، ومبنية بغير ميلاط ماسك، أقامها بأمر منه عبد من عباده ونبي من أنبيائه المرسلين،  فالمعنى الذي يرمز إليه البيت هو المعنى التشريفي بالانتساب التعبدي، للدلالة العلائقية بين العالم العلوي بغائيته الغيبية وبين العالم الأرضي بعلاقته التعبدية، في رمزية تجعل التوحيد أساسا جوهريا في عقيدة المؤمنين، هذه العقيدة تدعو بصراحة واضحة إلى تخليص الإسلام من مظاهر الوثنية وطقوسها التعبدية التي ابتدعها البشر، والإسلام في جوهره ودعواه يدعو إلى توحيد الله وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بذاته وقدسيته، وإخلاص العبادة له من غير شريك، حتّى يكون الدين كله لله تزكو به نفوس المسلمين إلى الحب الإلهي الذي تفنى فيه النفوس المؤمنة.

إن البيت بهذا المفهوم الرمزي ينظم العلاقة بيه المؤمن وخالقه عبر شعائر تعبدية، يؤديها بإخلاص التوحيد ورص الصفوف بين المؤمنين في صعيد واحد، وهم يؤدون شعائرهم من طريق توجههم إلى قبلة واحدة نحو البيت العتيق، المنسوب إلى الله تشريفا والموحد لصفوف المسلمين قلوبا، وهم يقصدون وجه الله وحده لا شريك له.

والبيت برمزيته التشريفية الموحدة لمشاعر المسلمين؛ هو الذي جعله الله مثابة للناس، أي: المكان الذي يرجعون إليه في توجهاتهم الروحية، فيزورونه كلما اشتاقت إليه نفوسهم لترتبط بالخالق المصوِّر، ويستحضرون عظمته وجلاله في قلوبهم فيزيدهم ذلك تعلّقا به؛ فيقوى إيمانهم ويزداد يقينهم، ثمّ هو بعد ذلك قبلة تتوجّه إليها قلوب المؤمنين وهم يؤدون في كل يوم خمس صلوات، فتتوحّد قلوبهم وتتقوى أواصر المحبة بينهم، وتتوثّق العلاقات والصلات بين عباد الرحمن؛ لأنهم يقصدون رمزا واحدا، ومكانا واحدا، ووجهة واحدة.

وهم يجتمعون في كل سنة في حج أو عمرة، يتبادلون المشاعر، والآراء، والأفكار، والخبرات، والتجارب، والعلوم، والفنون. ويذكرون الله كثيرا، ويعظمونه ويدعونه بإيمان عميق، وقلوب متوحّدة خاشعة خانعة قانعة، راضية بقضاء الله وقدره حلوه ومره، وقد جاء ذلك التصوير في قوله تعالى:{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}[الحج:28].

والمستشرقون والمبشرون ومن في طبقتهم من المارقين، يعتبرون فريضة الحج مظهرا من مظاهر بقايا الجاهلية التي تقدس الأصنام وتعظم الأوثان، والتي ما زال المسلمون متأثرين بها- حسب زعمهم- وهم لا يرومون من ذلك إلا واحدة من اثنتين: إما إنهم يجهلون حقيقة نسبة البيت إلى الله بأنها نسبة تشريف لا غير، وإما إنهم يعمدون إلى تزوير الحقائق بالأكاذيب والافتراءات، ومرادهم من ذلك زرع الشك والارتياب في نفوس المؤمنين، كي يصدوهم عن دين الله سبحانه.

 

ولا ريب أنهم يعلمون علم اليقين أن الإسلام جاء ليحارب مظاهر الشرك في جميع صوره، وأن شريعته تدعو إلى تطهير العقيدة مما شابها من الشك والشرك والارتياب، وأن عبادة المؤمنين لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لوجه الله وحده {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} وبما أن القرآن الكريم هو المصدر الأول الذي تأخذ منه الشريعة أحكامها، ومناسك الحج الذي هو الركن الخامس في الإسلام، جاءت واضحة في القرآن الكريم، لتكون خالصة لوجه الله وحده لا شريك له، وخالية من أي تصور وثني أو اعتقاد من اعتقادات الشرك التي كانت رائجة في الجاهلية، لقوله تعالى:{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، وقوله:{وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} .

فالبيت – بهذا الاعتبار – هو الوجهة المنسوبة إلى الله تشريفا، لذلك تعلق بها المؤمنون أزمانا طويلة لهذا السبب، ولعل أول مبدأ يقوم عليه هذا المعنى المقدس، هو ابتداء الحاج مناسكه بعبارات التوحيد والتنـزيه، وهي عبارات ينعقد بها ركن الإحرام الذي هو الركن الأساسي في هذه العبادة، “لبّيك اللّهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.

 

وقد تعرض”اليعقوبي” لموضوع التلبية، فقال:” فكانت العرب، إذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوا عنده، ثم لبوا حتى يقدموا مكة، فكانت تلبياتهم مختلفة”.

وكانت تلبية قريش: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، تملكه وما ملك.

وكانت تلبية كنانة: لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف.

وكانت تلبية بني أسد: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد، أهل التواني والوفاء والجلد إليك.

وكانت تلبية بني تميم: لبيك اللهم لبيك، لبيك عن تميم، قد تراها قد أخلقت أثوابها وأثواب من ورائها، وأخلصت لربها دعاءها.

وكانت تلبية قيس عيلان: لبيك اللهم لبيك، لبيك أنت الرحمن، أتتك قيس عيلان، راجلها والركبان.

وكانت تلبية ثقيف: لبيك اللهم إن ثقيفاً قد أتوك، وأخلفوا المال وقد رجوك.

وكانت تلبية هذيل: لبيك عن هذيل قد أدلجوا بليل، في إبل وخيل.

وكانت تلبية ربيعة: لبيك ربنا لبيك، لبيك إن قصدنا إليك. وبعضهم يقول: لبيك عن ربيعة، سامعة لربها مطيعة.

الفرق بين الوثنيين والمسلمين أن الوثنيين ينطلقون من أصنامهم وأوثانهم، ويشرعون في التلبية تحريفا لما جاءت به الحنيفية، وهم في تلبيتهم يخلصون العبادة لأوثانهم، ولم يكونوا يقصدون الله الواحد، لأن كلمة الله كانت مازالت مستعملة في قاموسهم اللغوي والديني منذ عصور التوحيد، ولو كانوا مؤمنين بالله الواحد الذي يعتقد به المسلمون ما حاربوا رسول الله ثلاثا وعشرين سنة، ثم ارتد الكثير منهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، بينما المسلمون يقصدون بالتلبية وجه الله وحده لا شريك له ..

فهذه المعاني الموحدة، هي أصل التعبد الذي سنّه إبراهيم عليه السلام، والشرك ليس إلا عادة دخيلة لم يأمر بها الله سبحانه، وإنما هي من مستحدثات أئمة الكفر والضلال، وهي التي لم يدرك حقيقتها – عمدا- المستشرقون والمبشرون؛ فاعتبروها أصلا من أصول الإسلام، وهذه أحكام مدلسة وليست من الحق في شيء، وهؤلاء الصنف من المثقفين رغم ما يدّعونه من نزاهة وتجرد وموضوعية في البحث؛ إلا أنهم يتعمدون تزييف الحقائق بالتشكيك في عقيدة الاسلام، حتى إبراهيم يشكّون في وجوده، ويعتبرون وجوده أسطورة إسلامية، وعلى هذا لا يمكن تصديق آرائهم لأنها متناقضة مع مناهج البحث العلمي الخالص، إذ تراهم يؤمنون إيمانا قويا بألوهية عيسى عليه السلام وبقصة الخلاص المزيفة وبأنبياء التوراة، ولكنهم خلافا لذلك يكفرون برسالة الإسلام، ويتحاملون عليها وهما يصدران من مشكاة واحدة.

“والالتباس الذي وقع عند الغربيين، هو الطواف على البيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، ورمي الجمار، فاعتبروا هذه الأماكن رموزا وثنية يقدسها المسلمون لذاتها، بينما واقع الحال أنها رموز معنوية ذات دلالة تاريخية وروحية وضعها الله تعالى في أماكن من الأرض، ليرتبط بها المسلمون بـأداء مناسـك معينة شرعها الله سبحانه وتعالى بنفسه، حتّى يكون الارتباط به قويا؛ والحكمة من هذه الشعائر كالحكمة من الصلاة والصوم وجميع أعمال البر التي يتنافس فيها المؤمنون.

فهي ليست إلا معالم أرضية يقف عندها المسلمون، لأداء المناسك التي تقرّبهم إلى الله زلفى؛ والغرض من ذلك هو الاختبار ليقيم الحجة على الناس يوم الحساب، وإلا فما الفرق بين الصالح والطالح وبين البار والفاجر، بينما الوثنية تعتبر الأصنام والأوثان وسائط بين الله والعباد، أو تعبد لذاتها لاعتقادهم أنها تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضرر”.( في رحاب السيرة النبوية).

عن المحرر

شاهد أيضاً

مراحــــل الــدعـــوة النبــويـــة فـي مـكـــة1/ خير الدين هني

المرحلة الثالثة: حينما انتهت المرحلة الثانية وهي المرحلة السرية التي كانت تجري وقائعها في دار …