الرئيسية | حديث في السياسة | المثل الديمقراطي في جمعية العلماء/ التهامي مجوري

المثل الديمقراطي في جمعية العلماء/ التهامي مجوري

في عادات المنظمات: جمعيات وأحزابا ونقابات، في جمعياتها العامة ومؤتمراتها في تجديد قياداتها التنفيذية، لا تخلو من تطلع المنتسبين إلى تلك المواقع المختارة من قبل الجمعية العامة السيدة، لا سيما منصب الرئاسة في الهيئة، وربما إذا لم يجد البعض موقعا لهم فإنهم يحتجون ويملأون الدنيا ضجيجا وصياحا وعويلا، أما في جمعية العلماء فالأمر والحمد لله مختلف، فإن السباق بين الطاقات إلى المناصب يكاد يكون معدوما في جميع مراحلها بما في ذلك عهدها الأول، و آخرها الجمعية العامة الأخيرة التي انتُخب فيها الشيخ قسوم بالإجماع,

لا شك أن أبناء الجمعية ليسوا ملائكة تخلو نفوسهم من الطموح والتطلع والتنافس على المغانم والمواقع العلية، وإنما في الغالب الأعم يقدمون النصح لمن هم في مواقع التنفيذ، وترغيبهم في شيء أو ترغيبهم عنه، وبنصحهم بفلان أو علان من الكفاءات والقيادات العلمية والدعوية، ولا يرغبون بتقديم أنفسهم إلا فيما ندر؛ لأن طبيعة من ينتمي إلى الجمعية أنه “خدام عند ربي”، وربي هو الذي يرقيه أو ينزله، ومن رفعه الله لا ينزله أحد، ومن أذله الله فلا منقذ ولا معز له وإن سولت له نفسه بأن هناك من يبجله ويقدره ويحترمه.

في سنة 1931 انتخب الشيخ عبد الحميد ابن باديس لرئاسة جمعية العلماء غيابيا، وبقطع النظر عن سبب غيابه، فإنه لم يكن موجودا حتى يراه الناس أو يترشح بنفسه ليزكوه.

من أين جاء بهذه المصداقية؟

جاء بها من نشاطه وعلاقته بالله ثم بالجماهير، خلال عقدين من الزمان تقريبا 1913/1931؛ بل يوجد من قال إن غيابه كان وظيفيا أي تعمد الغياب حماية للجمعية؛ لأنها كانت تمثّل جميع العلماء الجزائريين على اختلاف توجهاتهم وقناعاتهم، وهو معروف في الأوساط الرسمية بمعاداته لفرنسا، فحتى لا تُحسب الجمعية عليه غاب وترك الأمور تسير بتنوعها كما هي.

والرئيس الثاني الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، هو الآخر انتُخب غيابيا؛ بل كان في المعتقل أو في الإقامة الجبرية، بسبب رفض الجمعية تأييد فرنسا في دخولها الحرب مع الألمان، وتعطيل وسائلها الإعلامية حتى لا تُجبر على التأييد الإعلامي لفرنسا، في الوقت الذي كانت فرنسا تحضر للجمعية رئيسا يخلف ابن باديس.

وبعد عودة الجمعية إلى النشاط في مطلع التسعينيات بقيادة بعض أبناء الجمعية من تلاميذ ابن بايس وأساتذة المعهد الباديسي وتلامذتهم، قاد الفريق الشيخ أحمد حماني رحمه الله.

وبما أن الفريق كان قليلا من الناحية العددية، وكلهم إما أقران أو تتلمذوا على بعضهم، لم يكن هناك حاجة إلى الانتخاب، فقد كان التكليف تلقائيا، مراعين في ذلك المكانة المعرفية العلمية والمواصفات التي تتطلبها الجمعية في تلك المرحلة، ولذلك كان أحمد حماني هو الرئيس الأول، وكان يشغل منصب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، مع وجود وزير سابق من بين الأعضاء وهو الشيخ عبد الرحمن شيبان الذي قاد الجمعية بعد ذلك، رغم أن الجانب البروتوكولي يقتضي أن يقدم الوزير عن رئيس المجلس، ولكن لما كانت المكانة العلمية هي المقياس قُدم رئيس المجلس على الوزير.

ولم يتولّ الشيخ شيبان رئاسة الجمعية إلا بعد وفاة الشيخ علي مغربي الذي لم يعمر طويلا بعد الشيخ حماني؛ لأن شيبان لم يستسغ توليه رئاسة الجمعية ويوجد في الهيئة من تتلمذ على الشيخ بن باديس؛ فالشيخ شيبان كان مدرسا في معهد بن باديس ولكنه لم يتتلمذ على ابن باديس.

في هذه المرحلة –أي بعد العودة كما نلاحظ- لم يكن اختيار الرئيس بالانتخاب والاختيار والرغبة في تصدّر قيادة الجمعية، وإنما كان بالاصطفاء الوظيفي، المبني على التقدير والاحترام وإنزال الناس منازلهم خدمة للجمعية ومبادئها… من هو الأولى؟ ومن هو الأفضل؟ ومن هو الأقدر؟ …إلخ

وبعد وفاة الشيخ عبد الرحمن شيبان سنة 2011،و الذي عمل على توسيع دائرة الانتشار الأفقي للجمعية؛ بحيث غطت الجمعية بمكاتبها المحلية التراب الوطني، رشحت القاعدة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم، والأستاذ الدكتور عمار طالبي، ففاز الدكتور عبد الرزاق قسوم بالأغلبية في انتخابه لإتمام عهدة الشيخ عبد الرحمن شيبان لسنتين، ثم زُكي بالأغلبية مرة ثانية لعهدة كاملة 2013/2018.

وقبيل نهاية العهدة أسرَّ الشيخ عبد الرزاق قسوم لبعض إخوانه بأنه لا يرغب في قيادة الجمعية وسوف لن يترشح لرئاستها. فالبعض ممن قدروا موقفه سعوا في إيجاد بديل –بعلمه طبعا-، ولكن كل من عُرض عليهم الترشح لرئاسة الجمعية رفضوا رفضا قاطعا…، رغم أن كفاءتهم عالية، وهم على الأقل ثلاثة أو أربعة من رجال الجمعية الذين لهم حضور دعوي ويملكون المواصفات المتناغمة مع أدبيات جمعية العلماء.

ولكن إصرار الشيخ قسوم على عدم الترشح والتصريح بذلك للإعلام بعد ذلك؛ بل وبقي مصرا إلى آخر لحظة؛ إذ قال في كلمته الافتتاحية للجمعية العامة “لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، وذلك إصرار صريح بنية عدم الرغبة في البقاء.

ولكن إخوانه من المنتسبين للجمعية وقياداتها المحلية والوطنية ومحبيه من داخل الوطن وخارجه.. لم يقروه على ذلك وطالبوه بمواصلة السير على درب الأسلاف.. حتى إن أحدهم نشر رسالة يقول له فيها “إن تخليك عن الجمعية –يا قسوم- يُكتب عند الله توليا يوم الزحف”.. وتناغما مع هذه الرغبة من القاعدة، رشحت الجمعية العامة الخامسة الأستاذ عبد الرزاق قسوم، وأسماء أخرى من رجال الجمعية الأكفاء، ولكنهم انسحبوا، فزكته الجمعية العامة بالإجماع.

نتمنى من قواعد الجمعية وقياداتها ممن وضعت بين أيديهم رسالتها الدعوية الإصلاحية، أن يقدروا هذه النعمة التي حرم منها الكثير من المهتمين بالشأن العام، فهي نعمة في نفس الوقت مسؤولية ملقاة على عاتق كل من انتسب إلى الجمعية واختار أن يكون عضوا فاعلا في صفوفها..، ومن لا يرى في نفسه هذه القيمة القَيِّمة فليبحث له عن موقع آخر؛ لأن مكانه ليس في جمعية العلماءـ ومن تفهمها مزيّة فلا يفخر بها إلا بالقدر الذي سمح له بإضافة فيها علمية أو عملية.

والله يهدينا إلى الخير

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …