الرئيسية | شعاع | في ظلال المؤتمر الخامس الجامع طموحات كبيرة وآمال عريضة/ د. حسن خليفة

في ظلال المؤتمر الخامس الجامع طموحات كبيرة وآمال عريضة/ د. حسن خليفة

في الإمكان الحديث عن مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الخامس من أكثر من زاوية، تأسيسا على الزخم الذي رافق المؤتمر:

ـ إن على مستوى الأشخاص الذين حضروا وعددهم معتبر ومحترم، بالرغم من غياب نسبة الثلث تقريبا لأسباب موضوعية غالبا، وقد مثّلوا مناطق الوطن كلها: شرقا وغربا، شمالا وجنوبا (نحو 40 ولاية).

ـ  أو على مستوى الأفكار والرؤى؛ حيث تعددت وتنوّعت إلى درجة يشعر المرء فيها باتساع الأطياف الممثلة للجمعية والموجودة فعلا في صفوفها، أفكارا وتيارات وفهوما وأعمارا وتخصصات.

لقد امتد الوقت لثلاثة أيام كاملة بليلها ونهارها، لم يكن الوقت فيها متاحا إلا للعمل، في اللجان أو في سواها؛ حيث تبادل الأفكار والطروحات والآراء، وكثير من ذلك متصل بمستقبل الجمعية.. وطبيعة عملها في السنوات القادمة، ومنهجها في إرساء وتعزيز صروح الإصلاح والاستقامة والرشادة.

وعلى الرغم من النقائص التي لابدّ منها في أي عمل بشري مهما كان، فإن المرء ليشعر بالفخر حقا وهو يرى تلك الوجوه الطيبة والعقول النيّرة والقلوب الصافية، وقد تجشمت عناء التنقل والسفر الشاق على مسافات طويلة، لحضور أشغال مؤتمر تنظيمي في بعض جوانبه بالفعل، ولكنه ساحة فكر وحوار ونقاش في خلفيته العامة.

وأرغب ـ حقيقة ـ في تعميق الحديث هنا عن مستقبل الجمعية..هذه الخيمة الباذخة الجليلة التي نستظل جميعا بظلالها الوارفات، ونتنسّم عبق الجهاد الفكري والثقافي والديني الذي ما تزال “روائحه” تعطر الأجواء في كل لقاء من لقاءات الجمعية، من خلال أقوال ومواقف الماهدين الأولين الذين يسّر الله لهم قيادة سفينة الجمعية في بحر مضطرب إبان الفترة الاستعمارية البغيضة، فعرفوا كيف “يقودون” وكيف يتحركون، وكيف ينجزون ما يبدو لنا الآن أشبه بـ”المعجزات ” ..في أحلك وأصعب الظروف.وهذا في حد ذاته يحفزّنا ويقوّينا ويبث فينا روح التحدّي للإنجاز لنفعل مثل ما فعلوا وننجز مثل ما أنجزوا.

مستقبل الجمعية يبدو لنا من خلال مجموعة ملاحظات نسجلها ها هنا :

  • الملاحظة الأولى: تعظيم وتعزيز كتلة العلماء في الجمعية، في مختلف الاختصاصات، على أن يكون النصيب الأجمل للعلوم الشرعية؛ مع العمل في وفاق وتناغم مع العلوم الأخرى، ومنها ما يتصل بالإدارة والاتصال والإعلام والتنظيم وسواها. ولعل الـ 30 عضوا من الكفاءات والكوادر العلمية والفكرية التي أختيرت لتكون ضمن صفوف المجلس الوطني للجمعية، إضافة إلى الهيئة العلمية العليا التي تكوّنت من عدد من الأفاضل، وقد تضاف إليها في المستقبل القريب شخصيات علمية ودعوية أخرى، فضلا عن اقتراح إدماج شخصية علمية من كل ولاية ضمن نصاب تمثيل الشعب الولائية في المؤتمر…كل ذلك يشير بوضوح إلى إيلاء قيمة “العلم والعلماء” ما يستحقه من اهتمام وتوقير وتبجيل وتقديم، ومتى تقدم العلماء الصفوف لا يُخشى أبدا على الجمعية ولا على الوطن. والمنتظر تقوية هذا الملمح أكثر فأكثر لتعظُم وتكبر “كتلة العلماء” في الجمعية أكثر فأكثر، فيعظم أُثرُهم ـ بحول الله وحسن عونه ـ بعد ذلك، خاصة إن أمكن إيجاد برامج وخطط تشغيلية علمية تستوعب جهودهم وطاقاتهم وتستفرغ وسعهم في الرقي بالمجتمع إلى آفاق كبيرة سامية.
  • الملاحظة الثانية: الجو الهادئ ـ في الأغلب الأعم ـ الذي جرت فيه فعاليات المؤتمر (الجمعية العامة) والمجلس الوطني؛ حيث لا صخب، ولا تنازع، ولا تهارش، ولا تسفّل في الخطاب أو الكلام، وهو ما يعطي صورة طيبة عن أن القناعات ـ في الأغلب الأعم أيضا ـ لدى أعضاء الجمعية من الرجال والنساء قناعات سليمة، تعرف جيدا أن العمل في الجمعية ليس فيه مغانم ومكاسب، ولا مطامع فيه بالمعنى الذي نراه ونشهده ونسمع عنه في الأحزاب السياسية وحتى في بعض الجمعيات المدنية ذات الصلة بـ”الغُنم” والمكسب…هنا أو هناك. وهو ما يترتب عنه ـ غالبا ـ كوارث أخلاقية واجتماعية وشخصية، تزري بصورة الهيئة بشكل بشع قبيح، وهذا مشهود ملاحظ في أرض الواقع في وطننا، كما في أوطان أخرى، حيث صارت المسؤوليات والمناصب أهدافا يُسعى إليها بكل سبيل، وباستخدام كل وسيلة ممكنة. فالحمد لله على هذا الصفاء الغالب، وعلى هذا التعالي الذي أعطى صورة طيبة، تحدث عنها بعض من حضر من الضيوف أنفسهم.
  • الملاحظة الثالثة: أوحت بها الكثير من النقاشات بين الإخوة في المؤتمر وفي المجلس، وحتى في المطعم وفي الغرف، وتتصل هذه الملاحظة بالإحساس القوي والإدراك العميق بضرورة “التكوين” والإعداد، وبالأخص ما يتعلق بتكوين العلماء في الجوانب الشرعية المتعددة؛ في السنوات القادمات…فقراءة الواقع وتشخيصه بموضوعية يؤكد على أهمية إيلاء هذه المسألة كل العناية، بالانخراط الجدي في إعداد العلماء والدعاة من خلال تكوين شرعي متين، يمتدّ لسنوات، وتُتخيّر له أفضل العقول والأدمغة، ويُوفّرُ له أفضل الأساتذة والمشايخ ويكون منهجه قويا متينا متعدد الحقول، متنوع البرامج…بما يضمن تخريج مشاريع علماء حقيقيين، لديهم تمكّن واقتدار في العلوم الشرعية المختلفة، ولديهم أيضا معرفة بالواقع وبالعصر، وعلى صلة وثيقة بوسائل العصر في كل المجالات. ولست أبالغ إذا قلتُ إن أحد أخطر وأهم الأدوار التي تنتظر الجمعية هو هذا الدور الكريم الوازن: إعداد العلماء…
  • ومما لا يمكن إغفاله أيضا في هذا المقام أهمية استكمال البناء المؤسسي للجمعية: إدارة، وتنظيما، واتصالا، وتيسيرا لبيئة العمل المحفّزة الناظمة، ولن يكون ذلك إلا بأدوات وعلوم العصر، والارتقاء إلى مستوى الأداء العالي في كل ما يتصل بالجمعية. وما ذلك على الله بعزيز لو صدقت النوايا وخلصت، ولو انبعثت الهمّة وانطلقت…وبالله التوفيق

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

في سياق اليوم العالمي للحجــاب خــــواطـــــر وأفكــار

يكتبه: حسن خليفة / اتفقنا أو اختلــفنا في قضية أهمية وجود يوم خاص بالحجاب يُسمى …