الرئيسية | اتجاهات | الدولة العميقة الأمريكية تنتفض/ أ. محمد الحسن أكيلال

الدولة العميقة الأمريكية تنتفض/ أ. محمد الحسن أكيلال

الكونغرس بالإجماع يوبخ “ترمب”

عاش الكونغرس الأمريكي ومن خلاله الشعب الأمريكي (الأغلبية) يوما تاريخيا لم ير مثله منذ عقود، لقد وصل في عملية شد الحبل بينه وبين البيت الأبيض إلى انتصار باهر أعاد به الاعتبار لنفسه كسلطة تشريعية مستقلة تمارس كل سلطاتها وصلاحياتها الدستورية وتحمي شرف وسيادة الولايات المتحدة وكرامتها التي هي أصلا مؤسسة على أهم مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان الفردية والجماعية، وحرية التعبير والفكر والمعتقد، المبادئ التي جعلت منها حجة لكثير من التدخلات الظالمة في العالم.

اليوم تاريخي بامتياز لكونه صنع فيه الكونغرس حدثا لا سابق له على الإطلاق، فلأول مرة في تاريخه يصدر قرارًا مخالفا لرئيس الدولة ويصادق عليه بإجماع أعضائه من الحزبين الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض. وهذا ما كان ليحدث لولا شعور الجميع بالخطر الداهم المحدق بالبلاد جراء تصرفات هذا الرئيس المتهور الأرعن الذي غلّب مصالحه الشخصية على المصالح العليا للبلاد.

لقد اختار الرئيس التستر على جريمة قتل بشعة اقترفت في حق كاتب صحفي اختار أمريكا ملجأ له واختارته أكبر جرائدها كاتبا صحفيا فيها يساهم بفكره وقلمه في صناعة وتنوير الرأي العام، إنه فر من بلاده المحسوبة في علاقاتها الخارجية وسياستها وأمنها على الولايات المتحدة الأمريكية، بشهادة الرئيس نفسه حين صرح ذات يوم بأن المملكة العربية السعودية لن تعيش أكثر من اثني عشر يوما دون أن نحميها من إيران التي ستجعل منها إحدى ولاياتها، هذا يعني أن المملكة هي التي تحتاج الولايات المتحدة وليس العكس، مثلما يعني أيضا أن دفاعه المستميت عن ولي العهد “محمد بن سلمان” وراءه شيء أو أشياء يجب إخفاؤها.

لقد مر أكثر من شهرين على جريمة اغتيال “جمال خاشقجي” في قنصلية بلاده بتركيا وأثبت التحقيق الذي أجراه القضاء التركي بالأدلة والقرائن ضلوع ولي العهد فيها وتملصه وتملص حكومته منها، بل منكرًا لها ورافضًا حتى مجرد التعاون مع القضاء التركي لإجلاء الحقيقة، وهذا لا لشيء إلاّ لأنه يثق كل الثقة في الرئيس “ترمب” وصهره “كوشنر” وصديقه “نتانياهو”، هؤلاء الثلاثة لا شك بأنهم متواطئون ومتفقون معه على وجوب قيامه بالجريمة وإسكات صوته الذي أصبح يشكل خطرًا على العلاقات السعودية الإسرائيلية وعلى اللوبي الصهيوني في أمريكا.

المؤكد أن المخابرات الأمريكية التي تعتبر أكبر وأقوى أجهزة المخابرات في العالم كانت على علم بكل تفاصيل الجريمة منذ الإعداد للجريمة إلى غاية إخفاء معالمها، والرئيس أجرى تعديلا في أعلى هرم مسؤوليها حين عزل المدير السابق وعين سيدة لا شك أنه يثق فيها، ولكنه لسوء حظه، ولأنه حديث العهد بالسياسة يجهل الفرق بين الدولة والدولة العميقة، فهو لا يرى من الدولة إلاّ الظاهر المتمثل في المؤسسات الرسمية التي ما انفك منذ توليه الرئاسة يغير مسؤوليها ومديريها العامين، إنه لا يعلم ولا يعرف الدهاليز والحصون التي تقيم فيها عناصر الدولة العميقة.

لقد كان واثقا من نفسه وهو يتعنَّت في التستر على ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” رغم يقينه الكامل بأنه هو الذي أعطى الأوامر للاغتيال. كان يظن أن أغلبية حزبه في الكونغرس وبقيادة أقرب المقربين إليه من أصدقائه       الذين ساعدوه في الترشح للانتخابات وفي حمايته من التحقيق الذي فتحه المدعي العام “مولر” حول تدخل روسيا في إنجاحه في هذه الانتخابات.

كان يردد دائما أن العلاقات مع المملكة العربية السعودية ومع “محمد بن سلمان” خاصة أكثر من استراتيجية وهي ضرورية لبقاء دولة إسرائيل، ثم تدخل “نتانياهو” لمساندته بقوله أن “محمد بن سلمان” يعتبر كنزا لدولة إسرائيل.

إن “نتانياهو” و”كوشنر” زوج ابنة “ترمب” يشكلان خط الدفاع القوي عن المجرم، و”ترمب” باعتماده على الاثنين يعتقد أنه يمسك بكلتا يديه باللوبي الصهيوني في أمريكا، صاحب الأمر والنهي في كل مفاصل الدولة وفي كل المؤسسات والكارتلات الاقتصادية والإعلامية الكبرى.

الزلزال المفاجئ

وفجأة حدث الزلزال الرهيب الذي هز كل الولايات المتحدة الأمريكية، وكان زلزالا قويا بدأ بهزة أحدثتها “جينا هاسبل” مديرة المخابرات التي عينها منذ وقت قريب، وقد كلفها بالسفر إلى “استنبول” للإطلاع على التسجيلات الصوتية وكل الملف الجنائي المتعلق بالجريمة، وبعد عودتها اطلعته ولكنه واصل التعنت في التستر على “محمد بن سلمان”، فما كان منها إلاّ أن تثأر لكرامتها التي أحست أنها عبث بها الرئيس حين قلل من شأن الملف والمعلومات التي جاءت بها من تركيا، كان لابد لها أن تدلي بتصريح تؤكد فيه ما استمعت إليه من تسجيلات تدل على ضلوع ولي العهد في الجريمة لكونه هو الذي أمر مساعديه باقترافها بتلك الوحشية التي لم تعرف البشرية لها مثيلا منذ القرون الوسطى.

تصريح “جينا هاسبل” حرك مجموعة الثمانية في مجلس الشيوخ لطلبها للحضور وإفادتهم بكل الملف والتسجيلات، وقد كان ما أراد هؤلاء وعلى رأسهم “ليندسي غراهام” أقرب سيناتور عن الحزب الجمهوري إلى الرئيس “ترمب” وهو أحد أهم من ساعده على الوصول إلى سدة الحكم في الانتخابات الرئاسية.

“غراهام” بدوره قام بتفجير الزلزال الثاني بتصريحه بأنه مقتنع كل الاقتناع بأن ولي العهد السعودي هو الذي أمر بالاغتيال، وأضاف رادًّا على الرئيس بأن العلاقات مع المملكة ليست مع شخص “محمد بن سلمان”، وأن المملكة هي التي تحتاج الولايات المتحدة وليس العكس، وهي لو بقيت دون حمايتنا لمدة اثنا عشر يوما فستصبح تتحدث اللغة الفارسية؛ لم يكتف بهذه التصريحات بل تعداها إلى عقد اجتماع لكل أعضاء مجلس الشيوخ الذين قاموا بدورهم بتفجير الزلزال الثالث والأخير خلال الأسبوع الماضي حين صادقوا بالإجماع على مشروع قرار يدين “محمد بن سلمان”، وهذا بمثابة توبيخ شديد اللهجة للرئيس “ترمب”.

للعلم فقط فإن خطورة الزلزال تكمن في التصدع الذي أصاب اللوبي الصهيوني، لأن هذا اللوبي يوجد في كل مفاصل الدولة العميقة في أمريكا، وهو يسيطر على الحزبين معا، الجمهوري والديمقراطي والأخطر من عناصره يتواجدون في اليسار (الحزب) الديمقراطي الذي فاز في الانتخابات النصفية الأخيرة بمجلس النواب وسيشكل هذا المجلس ابتداء من جانفي القادم من أغلبية هؤلاء الذين كانوا أكثر معارضة للرئيس “ترمب” وقراراته ودفاعه على “محمد بن سلمان” ليس لكونهم يعادون الدولة الإسرائيلية، بل بالعكس بل لكونهم حريصين على حمايتها من الأخطار المحدقة بها جراء الغباء والجهل وضيق الأفق لدى اليمين المتطرف الصهيوني في أمريكا وفي فلسطين المحتلة التي يتحكم في حكومتها المستوطنون الذين لا يرون أبعد مما بين أقدامهم.

إن اللوبي الصهيوني تصدع بفضل الله وفضل “جمال خاشقجي” الذي دفع روحه فداء للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني وشرف كل الأمة الإسلامية التي ما زالت تنتظر من يحركها للذود عن المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

إن التصدع قسم اللوبي إلى فريقين، فريق الأذكياء الذي يقوده المفكرون والاستراتيجيون والأغبياء مثل “ترمب” و”نتانياهو” و”كوشنر” الذين يعتقدون بأن الأمة العربية والإسلامية يمكن أن يقنعها أمثال ولي العهد السعودي وولي العهد الإماراتي و “السيسي” وملك البحرين لجر الأمة للتطبيع.

عن المحرر

شاهد أيضاً

التطبيع خيانة وتبريره جريمة

عبد العزيز كحيل / بالنسبة لنا نحن المسلمين فلسطين ليست قضية سياسة ولا حرب بل …