الرئيسية | قضايا و آراء | هكذا يكون التميّز/ عبد العزيز كحيل

هكذا يكون التميّز/ عبد العزيز كحيل

 

دعْك أيها الشاب من التميز الـمَرَضي المتمثل في مخالفة مجتمعك في الهيئة واللباس، فاللباس ليس مسألة شرعية بل هو- بالنسبة للرجال – قضية أعراف اجتماعية وأذواق، وليس مقياسا للصلاح والاستقامة، بل قد يكون الهندام المغاير لما استقرّ عليه المجتمع من قبيل لباس الشهرة المنهي عنه شرعا، لا تميّز بما يرفع مقامك عند الله ويجعل لك ذكرا حسنا عند الناس، لا تجعل الناس يعرفونك بقميصك أو لحيتك ولكن بسلوكك القويم وأفعالك الحميدة وإبداعك وأثرك الطيب في حيّك ومدينتك وأمّتك.
تميّزْ بالإحسان في عبادة الله وسُموّ الأخلاق في معاملة الناس والصلابة في الدين في زمن التميّع والردّة المقنّعة.
كنْ إنسانا سريرتُه كعلانيته، وقولُه كفعله.
استغنِ عن الناس ما استطعت، وازهدْ بما في أيديهم، اتركهم يحتاجون إليك…إلى علمك وأدبك ومساعدتك.
تميّز بالفهم الأصيل للقرآن والسنة وانهلْه من العلماء الربانيين الراسخين الذين يبتغون رضوان الله لا مرضاة الحُكام.

تميّز بالعمل بالسنة النبوية والتزام الهدي النبوي في علاقتك بربّك وبأفراد أسرتك وبمن تحبّ ومن لا تحبّ، في حال الرضا والغضب، وإياك من التميّز باتخاذ السنة مادة للمراء والجدال العقيم والتطبيق العمى والعرج بعيدا عن الفهم الصحيح.

تمسّك بالاعتدال في كلّ حياتك، في اعتقادك وأفكارك ومعيشتك وحبّك وبغضك.
تميّز بالتفوّق في الدراسة، كن من الأوائل، واعتبر قاعة الدرس مقدسة كقاعة الصلاة، ابحث عن السموّ هنا وهناك، وهل هناك معنى للسموّ الروحي مع تبلّد الذهن وجمود العقل والقبول بالقبوع في الصفوف الخلفية؟ إياك أن ترضى بمركز الخوالف.

تميّز بحسن أداء العمل وإتقانه سواء كان عملا ذهنيا أو عضليا، احرص على الأداء الجيد والنوعية الرفيعة لأن الجودة هي التي تفرض نفسها لا الإدعاء ولا الزعم ولا الهندام، والفردوس هو أرقى الأنواع، وهو أعلى الجنة ووسطها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ( ولاحظ أنه الوسط حتى لا تبرح مركز الاعتدال أبدا، فثمّ تأشيرة الفوز).
تميّز بحبّ المسلمين كل المسلمين ما داموا مسلمين رضوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، لا تبغض مسلما بسبب خلاف فقهي أو مذهبي قاده إليه اجتهاد العلماء وليكنْ بغضك للظالمين والمعتدين والفاسدين، فالتميّز ببغض الظلم والعدوان والفساد من علامات حسن إسلامك وبشارة بالفوز بالجنة لأن المرء مع من أحبّ.
تميّزْ بالانتصار لقضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين، تميّز بالإحساس الدائم بجراحات إخوانك أينما وجدوا: في الصين وبورما ومعتقلات مصر وخراب سوريا والعراق وفي غزة العزة.

ولعلّ أبرز خُلق يجعلك متميزا حقا هو رحمة العباد.

فلو أردنا تلخيص صفات الرسول صلى الله عليه وسلم في واحدة لكانت {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، لأن العبارة تفيد الحصر، كأن الرسول هو  الرحمة مجسدة،  وينبغي أن تكون مثله.

عرض عليه ربُّه أن يُطبق الجبال على المشركين الذين بالغوا في إيذائه فقال:” لعلّ الله يخرج 

من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئا“.

قابل أعداءه بقوله:” اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون“.

جاءه ماعز بن مالك يطلب منه إقامة حدّ الزنا عليه فلم يسارع إلى قتله بل حاول بكل الطرق أن يدرأ عنه الحدّ ووفّر له مخارج لينجو من العقوبة.

فعل نفس الشيء مع الغامدية التي حملت من الزنا ورفض إقامة الحدّ عليها حتى تلد ثم

حتى تفطم ابنها أي أعطاها فرصا متعددة لتنجو من العقاب.

إنه عليه الصلاة والسلام لا يتلذّذ بقطع الأيدي وجلد الظهور وقتل المذنبين وهو القائل:”

ادرؤوا الحدود بالشبهات“.

قبلَه كان هذا خُلق الأنبياء ومسلكهم:

إبراهيم يعاديه قومُه ويُلقونه في النار ظلما وعدوانا، فيقول يوم القيامة:{فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي يدعو الله أن يغفر لهم ويرحمهم.

المسيح يؤلّهه أتباعُه فيقول يوم القيامة:{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي يومئ إلى تفضيله  أن يعفو الله عنهم.

هل رأيت عندهم تكفيرا للمؤمنين أو تلذّذا بتعذيب الناس في الدنيا والآخرة؟

هذا هو منهج الأنبياء: توحيد الحق ورحمة الخلق.

يجب أن تحبّ الخير للناس جميعا، حتى العُصاة لا ندعو  عليهم بالويل بل ندعو لهم بالهداية.

حتى غير المسلمين لا تلعنهم بل اسع لهدايتهم بالدعوة والدعاء.

كنْ فقط حربا على الظالمين والمعتدين والمفسدين مهما كان  دينهم…وهل لهؤلاء دين؟

كل ما سبق تكاليف فكرية ونفسية وسلوكية شاقة لا علاقة لها بصغائر الأمور، وما قيمة التميّز بالصغائر؟ فخُذْ ما آتاك الله بقوة تكنْ أنت المتميّز حقا، والمتميزون هم بُناةُ الحياة الطيبة وورثة الجنة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …