الرئيسية | على بصيرة | تأملات في مؤتمر أم الجمعيات: ساعة الحصاد لأم الجمعيات بالبلاد/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

تأملات في مؤتمر أم الجمعيات: ساعة الحصاد لأم الجمعيات بالبلاد/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

ولدت خير جمعية أخرجت للناس في بلادنا من رحم المستضعفين، فاكتسبوا بها عزة، وخرجت من أصلاب المظلومين فاستلهموا منها معنى المقاومة والمعزة، وانبثقت من جماهير الأميين، فتعلموا منها الحرص على اكتساب العلم والوطنية ليكونوا أعزة.

تلك هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي ولدت حاملة للكتاب، مبشرة به، وحاضنة للحديث ملتزمة به، وراضعة لحليب الوطن مؤمنة به.

وكما ولدت كبيرة في قيمتها ها هي لا تزال كبيرة، رغم تجاوزها ثمانية عقود، لم تزدها السنون إلا نضجا، ولم تكسبها التجارب إلا رسوخا وحكمة.

تكسرت على صلابة عزمها كل المكائد والمؤامرات، وتلاشت على صخرة حزمها كل ما دبره العدو ضدها من مناورات.

وقد طهر التاريخ أم الجمعيات من قصص الإفك التي نسجها ذوو الأحكام الطائشة، كما برأ الله من الإفك أم المؤمنين عائشة.

واليوم، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعقد جمعيتها العامة الخامسة، ها هي تخرج للناس في ثوب قشيب، وبرنامج إصلاحي مهيب. وإن هذه الجمعية التي هي ملك الجزائريين جميعا، على اختلاف طوائفهم، ومذاهبهم، من حقهم عليها أن تقدم لهم حصاد السنين، ومعاناة أبنائها وبناتها العاملين، ومن واجبها نحوهم أن تقدم لهم حصاد السنين.

تتقدم أم الجمعيات اليوم إلى الأمة بعمل عالي الأبعاد، وبروح كلها عزم واستعداد، فهي ماضية قدما إلى الأمام لبناء المدارس النابتة والثابتة في كل ربوع الوطن، مساهمة بذلك في غرس القيم والسنن.

تنعقد الجمعية العامة الخامسة لجمعية العلماء –إذن- والجزائر، يسودها قحط ثقافي، وجفاف اقتصادي، وتسحّر تربوي، وتجاذب سياسي، والجمعية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه المظاهر المخيفة، فقد عملت ولا تزال تعمل من أجل زرع الخصوبة والنماء، وتشجيع المصالحة والإخاء، والأخذ بيد المواطن من أجل البناء، وتأصيل الأداء.

ويقولون أن الجمعية مخترقة بالتيارات والمذاهب، وأنها تعاني الانقسام والتجاذب، ألا ساء ما يأفكون! وكبرت كلمة وأحكام تنفثها ألسنتهم وأقلامهم، إن يقولون إلا كذبا.

إن الوسام الذي تعلقه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على جبينها، هو أنها قد فتحت أبواب خيمتها لكل الجزائريين المؤمنين بالعروبة، والأمازيغية، والإسلام والوطنية، مهما تكن قناعاتهم التي لا تعادي هذه الثوابت، وإنها لا تضيق بالاختلاف الذي لا يفسد للود قضية، وإنها في كل هذا تعلو على العصبية الحزبية، وكل النعرات القبلية الجاهلية.

إن أم الجمعيات -على حد تعبير المثل السائر- تجوع ولا ترضع بثديها، فلئن حرمت أبسط حقوق الأحزاب والجمعيات من المقرات والميزانيات، وكل أنواع الدعم والمساعدات، فقد آثرت أن تتعفف وتتكفف، بدل أن تلين لها قناة في الجهر بكلمة الحق، ومقاومة كل أنواع الفساد والإفساد.

تواصل الجمعية دورها الريادي، تكلؤها عين الله، وترعاها عناية الشعب، وفي ذلك ضمان لسيرها وصيرورتها، تجاهر بكلمة الحق في كل مجال، وتعلن ثباتها في تبليغ رسالتها، بأحسن مقال.

فباسم الوفاء للمسار الجليل والنبيل الذي رسمه لها علماؤها الماهدون، تمضي في رفع شعار الخطاب الدعوي الإسلامي الإصلاحي المعتدل، وهو خطاب قد يضيق البعض به، وقد يصدم بعض المفسدين، ولكننا لا نبالي إذا كان ذلك مدعاة للبلاء، وسببا للتضييق والإقصاء.

إن أبناء وبنات الجمعية يواصلون العمل في كل البلديات والولايات، يميزهم النماء الثقافي الذي تجسده الملتقيات والندوات، والتعلم القرآني المتأصل، الذي يضمن لنا بناء الأجيال في كل المستويات.

كما أن خطاب الجمعية عاكس لطموحات وتطلعات شعبنا في تحقيق الأمن والأمان، والحصول على الاكتفاء الذاتي في العيش والبنيان، وإثبات وجودنا الحضاري حتى وإن دفعنا ذلك إلى التضحية بأغلى الأثمان.

ولم تكتف الجمعية بإشعاعها الداخلي في مجالات الحياة الوطنية، بل تجاوزت ذلك إلى فرض وجودها واحترامها على الهيئات والمنظمات العالمية، فكل المنشغلين بالإعلام، والباحثين في المجال الثقافي والعلمي في دائرة الإسلام، يطلبون مشاركة جمعية العلماء للاستئناس بخطابها الإسلامي الوديع، المتميز بالأسلوب الموضوعي المقنع الرفيع.

وحتى في هذا المستوى من المعالجة لقضايا الأمة تقدم جمعيتنا آراءها ومقترحاتها لفك الإشكال الحضاري الذي يطبع تأزم أمتنا العربية الإسلامية.

فقد غدا جليا لدى الجميع أن طريقة تناولنا لقضايا أمتنا يلقى القبول والارتياح خصوصاً لدى الجماهير، التي تعاني الظلم والحرمان، وتتوق إلى الخلاص مما تعانيه من عنف، وإرهاب، وعدوان.

إن تاريخ جمعية العلماء في نصرة قضايا المظلومين، والمضطهدين، كقضية فلسطين، وقضية الروهيغيا المساكين، ليس بخاف على أحد. فقد سيرت القوافل المتعددة الأطنان والألوان، لتضميد الجراح، والشد من أزر الكفاح.

كما أن الدعوة إلى التعقل، وضبط النفس، وضرورة التصالح التي ما فتئ علماء الجمعية يدعون إليها الإخوة والفرقاء في كل من سوريا، واليمن، ومصر، وليبيا، إن هذه الدعوة تملأ وسائل إعلامنا الملتزمة بقضايا المسلمين، المضطهدين في كل أنحاء العالم.

تتقدم جمعيتنا رافعة الرأس إلى أبناء شعبنا، لتقول لهم هذه أعمالنا، وتلك أقوال أعدائنا، فانظروا الفرق الشاسع بين أقوال تصدقها الأعمال أشبه، بأن تكون بالرعد المزبد الذي يتبعه غيث نافع، وبين أقوال أعدائنا التي هي أشبه بالصفير، والنكير، الذي لا يشبع الجائع الفقير، ولا يسكت الباكي الصغير.

غير أن الإنصاف يقتضينا ونحن بصدد تقييم الخطوات، أن نقر بأن ما تقوم به جمعية العلماء أقل بكثير مما هو آت، فالتحديات التي تواجهنا، وأنواع الصدمات التي قد تفرض علينا من أعدائنا، تلقي علينا مسؤولية ثقيلة، نحن مطالبون بالإعداد والاستعداد لها.

فالحرب المعلنة على وجودنا، ومنازعتنا في معتقدنا، وهويتنا، وفي وطنيتنا ووحدتنا، كلها غارات معلنة علينا، وهي تحديات لا تقاوم بالآهات والتأوهات، ولكنها تجابه بالعلوم والتكنولوجيات، مع الالتزام بالمقومات، والخصوصيات.

نحن إذن مطالبون بزرع العلوم والمعارف في العقول، وتعبئة أبناء شعبنا، بتحصينهم بالخطاب الواعي، المقنع، المقبول.

فتحية إلى جمعية العلماء في جمعيتها العامة الخامسة، وهي تجدد العهد على مواصلة إعلاء البناء، وتأصيل الأداء، فتلك هي رسالة العلماء، النبلاء الأصلاء، الذين هم خير من يقوم بالكشف عن الداء، وخير من يقدم العلاج والدواء.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى يَرْعَوي الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في الإعلام والمدينة؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ابتليت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ …