الرئيسية | حديث في السياسة | البعد السياسي للأقليات الدينية/ التهامي مجوري

البعد السياسي للأقليات الدينية/ التهامي مجوري

بمناسبة تدشين كنيسة “سنتا كروز” المرممة بوهران، و”الهيلولة” التي نظمت بها الجهات الرسمية المناسبة والاحتفاء الذي حظيت به الوفود الحاضرة بهذه المناسبة. أثير معها موضوع الحريات الدينية، الذي جرّت معه طبيعة العلاقات الدينية في الجزائر بين أهل الشرائع المختلفة.

والمتابع لما أثير حول الموضوع، يلاحظ أن هناك مشكلة حقيقية تتطلب العلاج، وإلا فإن الجزائر معرضة لخطر ستجني آثاره بعد حين، وهذه المشكلة هي مشكلة الحريات الدينية، وبالتحديد قضية “الضغوط” التي يعاني منها نصارى الجزائر !!، ولا أدري هل الذين يعانون الضغوط هم النصارى الأصليون أم المتنصرون الجدد؟ والذين يثيرون الموضوع أو الذين يساهمون في إثارته، هل هم النصارى الأصليون أم المتنصرون الجدد؟

ومهما تكن طبيعة المثار والمثير –معا- فإن المشكلة كما تثار لا علاقة لها بالواقع؛ لأن النصارى في الجزائر واليهود أيضا، لهم وجود قبل الإستدمار، وبقوا طيلة الفترة الاستدمارية، ولكنهم في الفترة الاستدمارية تخلى الكثير منهم عن جزائريته وشايع الاستدمار في طروحاته وناصره في ظلمه، ولما رحل الاستدمار رحلوا معه، غير آسفين على الجزائر التي كانت بلادهم، ومن بقي منهم بقي بوصفه جزائريا، وليس بوصفه نصرانيا.

وعليه فإن الرابط بين النصراني واليهودي في الجزائر وغيره من الجزائريين هو الوطن والانتساب إليه، والعقد الذي بينه وبينهم هو عقد مواطنة وليس عقدا دينيا.

أما الاختلاف في الدين فلا ضرر منه؛ بل هو مضمون ومحترم ولا يختلف فيه إثنان، فالمسلم مسلم، والنصراني نصراني واليهودي يهودي، ولا يمكن إسلام المسلم الإعتراف بهذا الحق الذي هو حق الاختلاف في الدين، إذ الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما أنشأ الدولة الإسلامية في المدينة المنورة وضع دستورها المعروف في التاريخ بـ”وثيقة المدينة” التي تعتبر المنافق واليهودي من مواطني الدولة التي لهم فيها حقوق وعليهم فيها واجبات، على خلاف المسلمين الذين بقوا في مكة ولم يهاجروا إلى المدينة المنورة، فلم يعتبروا من مواطني الدولة الإسلامية كما جاء في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[الأنفال: 72].

فالذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا وآووا ونصروا بعضهم أولياء وبعض، على خلاف الذين أمنوا ولم يهاجروا ليس بينهم وبين أهل المدينة عقد ولاء (مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) وعقد الولاء في العرف السياسي هو العقد الاجتماعي المبني على الحقوق والواجبات.

وذلك مع مراعاة أن دين الدولة وعنوانها، هو دين أغلبية الشعب، ودين أغلبية الشعب الجزائر هو الإسلام، وعندما نقول إن دين الدولة الجزائرية هو الإسلام، فلا يعني ذلك أن كل الجزائريين مسلمون، وإنما قد يكون بعضهم غير مسلم، وحقهم في المواطنة مضمون وحمايتهم في حرياتهم العقدية والدينية مضمونة أيضا.

وهذا الأمر كان ولا يزال قائما، بحيث لم نسمع في يوم من الأيام أن هناك نصارى جزائريين يشتكون التضييق عليهم وعلى دينهم من قبل مواطنين مسلمين جزائريين… إلا في هذه السنوات الأخيرة عندما بدأنا نسمع أن هناك مجموعة من الجزائريين تنصرت.. وإن هناك تقريرا عن الحريات الدينية في الجزائر يتكلم عن أقليات دينية في الجزائر محرومة ومستبد بها تطالب بحقها في الحرية الدينية.

وعندما يطرح الأمر بهذه الصفة وبهذه الطريقة، ينبغي أن تجرد من لبوسها الديني، لأنها مكسوة بالبعد السياسي الذي يختلف عن منطق الدين؛ لأن الأمر مطروح بصيغة الأقلية التي تبحث عن حماية، وهذا لا أظن جزائريا صادقا في وطنيته يقبل بجهة أخرى تتدخل في علاقته بوطنه، مسلما كان أو نصرانيا أو يهوديا.

إن البعد السياسي للمسألة الدينية في أي بلد، هو التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان من قبل الدول العظمى عن طريق الأقليات، وهذه الأقليات قد تكون طوائف دينية أو قومية أو مجموعات أيديولوجية ولا فرق في ذلك بين هذه وتلك… فالكلام عن أقلية شيعية أو قاديانية أو نصرانية او يهودية أو حتى مجموعة متطرفة من المجموعات السنية… الكل سواء ولا فرق بينهم؛ لأن الجميع يصب في نفس الوعاء الذي يمكن الآخرين من التدخل في القضايا الداخلية للبلاد… والدين الذي لا يراعي المصلحة الوطنية لا خير فيه.. إسلاما كان أو نصرانية أو يهودية، وكذلك الأقليات الأخرى القومية والأيديولوجية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …