الرئيسية | قضايا و آراء | العقلانية بين الشرق والغرب!/ علي حليتيم

العقلانية بين الشرق والغرب!/ علي حليتيم

يدرك الدارس لتاريخ العقلانية ‏في أوربا أن روادها الأوائل لم يكونوا ملحدين، مثل إيراسموس الهولندي الذي توفى سنة 1536 للميلاد وكان من رواد المسيحية الإنسانية، ومثله لوثر وكالفن والملك هنري الثامن الذين قادوا حركة إصلاحية دينية ضد الكنيسة الكاثوليكية وخرافاتها المتمثلة في صكوك الغفران وغير ذلك، فكانت الحركة الأولى هي حركة ضد مؤسسة ‏الكنيسة البشرية بالرجوع إلى الكتب المقدسة وصفائها ونقائها.

‏ثم انتقلت حركة الأنوار من هولندا إلى باقي أوربا: إنجلترا وألمانيا وفرنسا وكان الرواد هناك كذلك متدينين، فديكارت كان يقول إن الله هو الذي أعطانا العقل وكل ما جاء من عند الله لا يتعارض مع الدين في دعوة تذكرنا بكتابات طوما الإكويني.

‏وحاول كانط في ألمانيا عبر كتاباته في نقد العقل أن يحدّ من غرور العقلانية الأوروبية ويقول إننا لا نعرف بعقولنا سوى الظواهر لا جوهر الحقائق وإننا لمعرفة الحقائق سنكون بحاجة إلى عون الخالق!

‏وفي مقابل ذلك نشأت حركة في أوربا تدعو إلى الحد من هيمنة العقل ومن ديكتاتوريته، بل ونشأت حركات باطنية ‏مثل الماسونية وانتشرت ممارسات الشعوذة مثل المغناطيسية وكان من رواد هذه الحركة جان جاك روسو الذي ‏كان يدعو إلى التخلي عن برودة العقل والاتجاه نحو العاطفة الجياشة ويدعو إلى إقامة الدين الطبيعي على أساس الأحاسيس وعلى علاقة القلب البشري بالله دون وساطة القساوسة. ولا تزال هذه الممارسات منتشرة في أوربا إلى اليوم كما هو معلوم وعلى أعلى المستويات في دلالة على أن العقلانية المتطرفة لم تحقق كل رغبات النفس البشرية ولن تفعل ذلك أبدا.

‏وهكذا نرى أن العقلانية قد بدأت متصالحة مع الدين ثم تطورت عبر القرون لتصبح أخيرا نافية للدين عندما أدركت أن طبيعته نافية للعقل، ثم عادت بعد ذلك واصطلحت مع الدين في واحدة من أكبر إنجازات القرن الماضي كما يقول الفيلسوف الفرنسي لوك فيري ( لكنه تصالح القوي وهو العقلانية مع الضعيف الذي هو الدين الذي وجد له دورا في خطتها وأصبح الاثنان علمانيين: العقلانية لا تهتم بالأخروي، والدين لا يتدخل في الدنيوي ولو كان معارضا له).

فالعقلانية في الغرب نمت نموا طبيعيا حين سعت إلى التأسيس لنفسها ونفت الدين بعد ذلك بالنقد العقلاني له بينما العقلانية العربية لم تنشأ في سياقها بل بقرار ما بعد كولونيالي (عاطفي انفعالي انبهاري على ضفتنا، واستعماري من الضفة الأخرى) ولم تحاول أن تستثمر النقد الديني للأوضاع التقليدية الذي مارسه رواد النهضة الاسلامية ولا يزالون كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، ولا التحالف مع العقلانيين الإسلاميين، ولا حاولت أن تؤسس لنفسها نظريا ولا أن تعترف بالسياق المختلف لأوضاعنا وأوضاع الغرب ولا أن تعي السياقات الاستعمارية للعقلانية الغربية ولا أن تفهم الدين الإسلامي ذاته الذي استوردت له النقد الغربي للديانة المسيحية المحرفة دون مراعاة الفروق الجوهرية ‏الكثيرة بينهما ودون ملاحظة أن الدين الإسلامي نفسه كان ينتقد، بنص القرآن، زيف الديانة المسيحية وبعدها عن العقلانية والمنطق.

ولذلك فقد تحولت العقلانية العربية إلى إيديولوجيا وهوية ثقافية المعلم الأكبر فيها هو محاربة الإسلام دون أي مضمون فكري آخر واضح أو مفهوم جدير بالقراءة والمحاورة. ومما زاد الطين بلة هو تبني النخب العقلانية في العالم العربي للنظرة الفرنسية للعلمانية التي تمثل الاتجاه الصلب الراديكالي كرد فعل لمظالم الكنيسة وتحالفها مع العرش والإقطاع، في مقابل العلمانية الانجلوسكسونية الأكثر نعومة مع ما صاحب ذلك من تبن للحرب على الإرهاب التي هي في الخطة الغربية محاصرة للإسلام ومحاولة لجرّه نحو خطة الكثلكة وتغيره في الجوهر لكن أنّى لهم ذلك.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

أ. عبد القادر قلاتي/ أكثر ما يزعج تيار العلمنة من الدين كلمة «الشريعة»، فهي في …