الرئيسية | في رحاب الشريعة | التعامل بالدينار الذهبي ضرورة اقتصادية في القروض والمعاملات البنكية/ محمد مكركب

التعامل بالدينار الذهبي ضرورة اقتصادية في القروض والمعاملات البنكية/ محمد مكركب

المال من كليات الحياة وهو كل ما يقتنى بالجهد العملي ويحوزه الإنسان كالذهب أو الأنعام أو الحبوب، أو الثياب، أو المسكن أو الأرض، وتتنامى قيمته كلما زادت الحاجة إليه بميزان الجهد المبذول في إنتاج الضروريات والحاجيات والتحسينيات للإنسان. ويعرف ابن عابدين المال بأنه:[ ما يميل إليه طبع الإنسان، ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة، منقولا كان أو غير منقول] ويقول الإمام الشافعي:[ لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها ويلزم متلفه بضمانه](الأشباه والنظائر للسيوطي) فتدبر قول ابن عابدين:[ ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة] والعملات غير الذهبية أو الفضية، لا تدخر بنفسها إلى وقت الحاجة، لعدم دوام قيمتها.

التعامل المالي بالدينار الذهبي الشرعي الذي كان عليه الحال في النظام العربي الإسلامي من الضرورات الاقتصادية، خصوصا في القروض، والديون، والمقايضات المالية، وأهم الضرورات هو التقويم بالدينار الذهبي في المعاملات البنكية بالخصوص، فإن المعاملات الحالية بغير الدينار الذهبي أوقعت المسلمين في شبهات وحرج وخسارة اقتصادية في تعاملهم مع البنوك الوطنية، وتعامل نفس البنوك مع البنوك العالمية، فالعملات الحالية التي هي كسلعة غير أساسية تتأثر بسوق العرض الطلب، إذ أن العملة البنكنوتية الحالية لا تكسب قوتها من ذات قيمتها، فهي لا تعد قيمة للعمل استدامة، وإذن ليست صالحة لتقويم الجهد العملي ولا تثبت قيمتها عبر الزمن، فإذا كان دينار جزائري منذ أربعين سنة يساوي قيمة لتر من الحليب أو أكثر، فاليوم (2018) فاللتر  الواحد من الحليب يساوي ثلاثين دينارا أو أكثر!!. ولكن الدينار الذهبي ما كان يساويه منذ 1440سنة هو نفس القيمة لا تتغير. كما هي قيمة العمل، وقيمة الأرض، وقيمة القمح مثلا، وقيمة كل غذاء أساس ومنه الحليب واللحم مثلا. فالذي كان قد أقرض مبلغا من المال بعشرين دينارا بالعملة الجاري بها العمل ( البنكنوتية) منذ أربعين سنة كيف يرد رأسماله بحيث لا يظلم ولا يظلم؟؟؟. قال الله تعالى:﴿فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ لكي لا يقع الناس في الظلم يجب أن يكون الميزان الذي يتعاملون به معلوم القيمة ثابتها على الدوام. كأن يكون مبلغ من المال يساوي قيمة جهد عامل منذ عشرين سنة، يجب أن ذلك المبلغ نفسه يساوي قيمة جهد عامل في نفس العمل الآن.

الدينار الذهبي هو الميزان المحقق للعدل في التعامل البنكي:

إن العملة النقدية ورقية أو معدنية من غير قيمة الذهب، لا تصلح لتكون القيمة الحقيقية في عرف الناس، ولا بالصفة الشرعية القانونية في علم الاقتصاد، ولا يطمئن الحائز على المال بأن القيمة المعادلة للجهد العملي تبقى هي نفسها، كما لا يأمن مدخر المال بالعملة البنكنوتية التي لاتُقَوَّم بالذهب، لا يأمن من سلبيتين: نقص القيمة. وتغير العملة في نوع ضرب السكة، كما يحصل الاضطراب في تغير قوانين الملكية في بعض الدول، فالناس لا يأمنون القيمة والثبات، وهذا من أسباب كثير من الأزمات، فإذا حدث التضخم، تتأثر الخزينة العامة، وتضعف القدرة الشرائية، ويلجأ بعض المخالفين إلى التهريب، أو التزوير، ويختل ميزان التعامل المالي على المستوى الفردي والوطني.

بينما التعامل بالدينار الذهبي يحقق ثبات الميزان النقدي ولا يتأثر بعملة البلد الآخر، كما هو الحال الآن لدى بعض الشعوب المتخلفة اقتصاديا التي تحسب وتقدر ميزانياتها وقيمة مشاريعها ( مع الأسف) بالعملات الأجنبية!! إن التعامل بالدينار الذهبي يحقق التوازن الاقتصادي في المقايضات والسوق المشتركة، ويحصن البلد من التهريب، ويعطي القوة الاستثمارية للتنمية الحالية والمستدامة.

غياب الدينار الذهبي خسارة اقتصادية:

عندما فرط المسلمون في قيمتهم النقدية، وهجروا العمل بالدينار الذهبي خسروا مواقع اقتصادية كثيرة في المعاملات البنكية مع غيرهم. ثم ما المانع من التعامل بالدينار الذهبي الذي يضمن العدل في التعاملات المالية؟ قال الله تعالى:﴿فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ متى  يمكن للمواطن العادي أن يدع أمواله في البنك ولا يريد فائدة، ليحفظ أمواله فقط، وعندما يحتاج إليها يأخذ رأس ماله لا يظلم ولا يظلم؟ ومتى يمكن لمسلم أن يقرض أخاه مبلغا من المال ولا يريد ربا ولا رشوة ولكن بعد أي مدة زمنية عندما يسترد ماله، يأخذ رأس ماله لا يظلم ولا يظلم؟. لا يتحقق ذلك إلا عندما يكون التعامل البنكي وغيره بالدينار الذهبي.

لماذا غاب القرض الحسن بين المسلمين، ذلك لغياب الدينار الذهبي، لماذا غاب الادخار الإيجابي؟ ذلك لغياب الدينار الذهبي، لماذا غاب الاستثمار الحقيقي؟ لغياب الدينار الذهبي.

لغة وحقيقة الدينار الذهبي قيمة تعويضية شرعية: فلو وقع قتل الخطأً على مؤمن. في هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة، وأن تؤدى دِيَة، أي مبلغ من المال (حدّده النبي بمائة من الإبل أو ألف دينار) فألف دينار ذهبي، قد يساوي بعملة الجزائر مثلا ( سنة 1440هـ) خمسة وعشرين مليون دينار. فالناس عندما يتعاملون بالعملات الحالية لا يعطون للمال قيمة احترامية في حفظ الحقوق، لأنها (أي العملة المؤقتة) لا تحفظ قيمتها بنفسها ولذاتها كالذهب أو الفضة أو القمح أو الأرض، أي السلع الضرورية المرتبطة بقيمة العمل، وإنما العملة البنكنوتية مؤقتة القيمة معرضة للخسارة. ثم حتى في ثقافة فهم القيمة، فكل العامة يسمعون كلمة ربع دينار مثلا (والمقصود ربع الدينار الذهبي الشرعي) وهو الحد الأدنى لقيمة المسروق الذي يستوجب الحد، ولكن لا يعلمون قيمته المالية بعملتهم. كما أن العامة يسمعون عن نصاب الزكاة في الأموال، أنه عشرون دينارا، ولكن ينتظرون كل عام لِيُقَال لهم: النصاب هذه السنة كذا.. ولو كان التعامل بالدينار الذهبي أو الدرهم الفضي  لعلم كل مسلم قيمة النصاب تلقائيا.

التعامل بالدينار الذهبي عامل اقتصادي استثماري:

خاصة في القصد (عدم التبذير) والادخار والمشاركة في التنمية المستدامة. إن الموازنة الصحيحة بين الجهد العملي في سلم الأجور، وبين السلع والخدمات المطلوبة، لا تستقيم بغير عملة الدينار الذهبي، ويظل التفاوت المخل بالقدرة الشرائية عائقا أمام العاملين والتجار معا.

وضرورة استعمال الدينار الذهبي ليس هو كل الحل:

إنما الدينار الذهبي حلقة في سلسلة متعددة الحلقات الأساسية في الاستراتيجيات الاقتصادية، وكلها مترابطة ومتبادلة التأثير والتأثر في الهيكل الاقتصادي الكبير، منها: البنوك التمويلية بدلا من البنوك الربوية، والمصارف الاستثمارية بالمضاربة وغيرها بدلا من القروض، وترشيد التجارة الانتاجية بدلا من التجارة الاستهلاكية، وشرط المقايضة في الاستيراد سواء بالسلعة أو بقيمة سلعة ينتجها المستورد ويصدرها، وربط الصناعة بالفلاحة والمعادن والتعليم الجماعي مباشرة، وتنظيم السوق التي بها يتحقق على مستوى الوطن التكامل الحقيقي.

هذه القضايا تعود بنا إلى إنتاج ما يحقق الاكتفاء من الأرض والصناعة الوطنية الذاتية:

أي تأكيد الاستثمار والإنتاج في القطاع الفلاحي والصناعة التي تعتمد مائة بالمائة على المواد المنتجة في الوطن، وهذا ما يعزز العملة الوطنية، ويضمن الحماية الاقتصادية، وفي الأخير يضمن ويحقق الأمن الغذائي، وفق المشروع الوطني الشامل، وهدف المقال هنا لبيان المشكل الاقتصادي وهو أن العمل الارتجالي التقليدي المجزأ الحالي لا يزال يكرس سلبيات تَحُولُ دون النهضة الحقيقية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فتنة التطبيع الشنيع من قبول الاحتلال إلى الرضا بالاستذلال

أ. محمد مكركب/ لماذا رضي بعضُ حكام العرب الدنيويين باحتلال فلسطين منذ عقود، وسكتوا عن …