الرئيسية | شعاع | أخسّ المنازل للرجل …/حسن خليفة

أخسّ المنازل للرجل …/حسن خليفة

 

ثمة ما يستدعي التذكير ـ مرة بعد أخرى ـ بأهمية القيّم والمبادئ الأساسية التي تحكم العمل والاجتهاد في صفوف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، خدمة للدين كما هو معروف في تاريخ الجمعية منذ نشأتها إلى اليوم، وإلى الغد البعيد، إن شاء الله تعالى.

نعم…إن مما ينبغي التأكيد عليه بين أبناء الجمعية ومحبّيها والمتعاطفين معها والداعمين لها معنويا أو ماديا…مما ينبغي التأكيد عليه أن ثمة “رؤية ” يحسُن تبيُّنُ ملامحها جيدا واعتمادها في أسلوب ونمط العمل. وأخصّ ما ينبغي في ذلك، كما سنرى من كلام الشيخين الجليلين الإمام ابن باديس والعلامة الإبراهيمي هو:

  • الاجتماع..أو العمل الجماعي المنسجم المتوائم؛ الذي يحرص العالمان الجليلان على بيان “وجوبه” وجوبا تاما متحققا، معضودا ومسنودا بالدليل من القرآن والسّنة.
  • أهمية أن يكون ذلك أيضا، أي ـ العمل الجماعي ـ في سياق التنظيم والتدبّر والتفكر والتشاور، وهي ـ كلها ـ معان جليلة وآليات وأدوات وطرائق للعمل.
  • أن يحكم ذلك العمل التعاون والتساند والتعاضد؛ وليس التنافر والتخالف والتناقض.
  • أن يكون العمل عن فكر وعزيمة؛ أي يحتاج إلى التحمّل والصبر والإرادة والعزيمة لإنفاذه وتحقيق غاياته في أرض الواقع؛

لنتأمل ما سجلته أسطر الشيخين ابن باديس والإبراهيمي في هذا المقال الجليل.(*)

إن “رؤية علماء الجمعية ومنهجهم في العمل ضمن جماعة متحابة متآلفة؛ متحدة الرؤية والهدف متجانسة الفكر، قوية التنظيم، متراصة الصفوف بالإخلاص الذي يذيب الحسد ويذهب بالأنانية، والنصوص من الكتاب والسنة متضافرة على الدلالة على أن الاجتماع والائتلاف مقصد من مقاصد الشريعة…

– فهذا ابن باديس عند تفسيره لقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[النور:62].

وضع الإمام ابن باديس، رحمة الله عليه، للآية عنوانا هو: الاجتماع العَامُّ لِلأَمرِ الهَامِّ وَارتِبَاطِ الجَمَاعَةِ بِأَمرِ الإِمَام، وفرّع على الآية بقوله: توجيه وإرشاد، قال فيه:

(إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة، متساندة في العمل عن فكر وعزيمة…ولهذا قرن الله في هذه الآية بين الإيمان بالله ورسوله والحديث عن الجماعة وما يتعلق بالاجتماع، فيرشدنا هذا إلى خطر أمر الاجتماع ونظامه ولزوم الحرص والمحافظة عليه كأصل لازم للقيام بمقتضيات الإيمان وحفظ عمود الإسلام).

ثم قال بعدها:(موعظة: ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلاَّ بإهمالهم لأمر الاجتماع ونظامه، إمَّا باستبداد أئمتهم وقادتهم وإما بانتشار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم وجهلهم بما يفرضه عليهم…)[الآثار ج 1 ص 370].

– وأما الإبراهيمي فيقول:(الخير كل الخير في الاجتماع، وأنّ القوة كلّ القوة في الاتحاد، وأن الخروج على الجماعة أهلكَ من قبلنا وهم في نهاية القوة، فكيف لا يهلكنا ونحن في نهاية الضعف؟)[الآثار ج 3 ص 276].

– وقال أيضا:( الأعمال الكبيرة إذا توزعتها الأيدي، وتقاسمتها الهمم- هان حملها وخف ثقلها، وإن بلغت في العظم ما بلغت والمعهد الباديسى من هذه الأعمال الكبيرة…)[آثَارُ الإِبْرَاهِيمِي ج 2 ص 356].

– قال الإبراهيمي:( نحن محتاجون إلى تكوين اجتماع خاص تنتج عنه نهضة منظمة في جميع لوازم حياتنا القومية الخاصة، وألزم هذه اللوازم أربعة: الدين والأخلاق والعلم والمال…)[ج 1 ص51].

– وقال:( إن سُنَّة الاجتماع تقضي ببقاء الأنسب، فإذا كنا نريد أن نكون أنسب للبقاء فها هي الحكمة الهادئة)[ج 1 ص 55].

– وقال:( أي شباب الإسلام، إن الأوطان تجمع الأبدان، وإن اللغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلفها، ويصل بين نكرات القلوب فيعرفها فهو الدين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة، ولكن التمسوها في الدين، والتمسوها من القرآن تجدوا الأفق أوسع، والدار أجمع، والعديد أكثر، والقوى أوفر).

– وقال:( العاقل من جارى العقلاء في أعمالهم في دائرة دينه وقوميته ووجدانه، والحازم من لم يرض لنفسه أخس المنازل، وأخس المنازل للرجل منزلة القول بلا عمل، وأخس منها أن يكون الرجل كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعل الرجال دون أن يضرب معهم في الأعمال الصالحة بنصيب، أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب)[ج 1 ص 56].

****

تأمّل أخي ..أختي قوله التالي المرة بعد المرة، واستخرج منها ما يجب لتحفّز نفسك على العمل الجاد المنتظم لنيل رضوان الله تبارك وتعالى وتحقيق المنافع من خلال خدمة المسلمين:

” والحازم من لم يرضَ لنفسه أخسّ المنازل، وأخس المنازل للرجل منزلة القول بلا عمل..وأخس منها أن يكون الرجل كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعل الرجال دون أن يضرب معهم بنصيب في الأعمال الصالحة…أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب “..

(*) الشكر للشيخ عبد العزيز شلي رئيس الشعبة الذي أمدنا بأفكار مهمة في هذا المقام .

نسأل الله التوفيق والسداد ..

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سؤال التنمــــــــــية المتعثرة …من المسؤول ؟/مناطق الظلّ…ووجوب تقدم الإصلاح فيها

يكتبه: حسن خليفة/ لا يحتاج الحديث عن التنمية الغائبة، أوالمعطلة، في مختلف جهاتنا وأقاليمنا الوسيعة …