الرئيسية | وراء الأحداث | هل أصبحت أمريكا معرضة للبيع؟ !/عبد الحميد عبدوس

هل أصبحت أمريكا معرضة للبيع؟ !/عبد الحميد عبدوس

لا شيء استطاع أن ينافس كذب الروايات السعودية وتناقضاتها بشأن مقتل الصحفي جمال خاشقجي سوى تصريحات ترامب في محاولة تبرير وهن الروايات السعودية وتغطية كذبها. ومن المحتمل أن يدخل الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الملياردير دونالد ترامب التاريخ كأكبر كذاب في سلسلة رؤساء أمريكا.

فعلى امتداد أسابيع ظل الرئيس الامريكي يبرر عدم اتخاذه لموقف لا لبس فيه من اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة العربية السعودية باسطنبول بعدم حيازته للتسجيل المتعلق بهذه الجريمة البشعة، ولكن عندما أكدت الصحافة أن التسجيل موجود بحوزته قال إنه لا يريد سماع التسجيل لأنه يحتوي على معاناة فظيعة، وأنه نصح بأن لا يستمع إليه لأنه فظيع ووحشي… وهكذا لم يرغب ترامب صاحب المشاعر الحساسة الرقيقة في الاستماع إلى تسجيل يحتوي “معاناة فظيعة”، ولكنه لم يستنكف من التحالف بكل راحة ضمير مع  المتورطين في حدوث هذه الجريمة الفظيعة، وأن يوفر لهم الغطاء السياسي للإفلات من العقاب، قائلا:” لدينا حليف وأريد أن أتشبث بذلك الحليف الذي كان جيدًا جدًّا على أكثر من صعيد”. وأكد دونالد ترامب أن السعودية تنفق ملايير الدولارات لمحاربة الإرهابيين، وفي المقابل لم يحرك ساكنا للمطالبة بإحقاق العدالة ضد من  أمروا باغتيال صحفي مقيم بالولايات المتحدة ويكتب في أكبر صحفها وبتقطيع جثته وهو حي يصرخ من الألم .

بعد صدور تقييم وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي. آي. إي) الذي توصل إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هو المسؤول عن قتل الصحفي جمال خاشقجي، علق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، بوب كوركر على تقييم الوكالة بالقول:”كل شيء يشير إلى أن ولي عهد السعودية محمد بن سلمان هو من أمر بقتل جمال خاشقجي”، كما وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ووزير الدفاع الأمريكي الأسبق ليون بانيتا التقرير بأنه على “درجة عالية من الثقة”، كما اعتبره  كل من المدير السابق للوكالة جون برينان ونيد برايس المسؤول السابق في نفس الـوكالة أنه “ذو مصداقية عالية”، وأكد بخصوص نفس التقرير مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية لشبكة (أي بي سي) أن ضلوع محمد بن سلمان في اغتيال خاشقجي “واضح بشكل صارخ”، إلا أن الرئيس دونالد ترامب ضرب كل تلك التقييمات الصادرة عن أقوى المؤسسات الأمريكية كالكونغرس، والاستخبارات، والخارجية، بعرض الحائط وتمسك برأيه الرافض للاعتراف بتورط ولي العهد السعودي في جريمة اغتيال جمال خاشقجي، وأعلن أن محمد بن سلمان “قد يكون متورطا وقد لا يكون متورطا في الجريمة”، مؤكدا أن الولايات المتحدة الأمريكية تنوي البقاء شريكًا قويًّا للسعودية، بهدف ضمان مصالح أمريكا وإسرائيل وبقية شركاء واشنطن في المنطقة، والاستفادة من دور السعودية في تخفيض أسعار النفط.

هذا الموقف المتمسك بـ “عبادة الدولار” جعل بعض المتابعين لقضية اغتيال خاشقجي يستنتجون أن أمريكا أصبحت في عهد دونالد ترامب قابلة للبيع !.

المفارقة أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتمدت بعد إعلان استقلالها سنة 1776 في تشكيل إمبراطوراتها، على شراء الأراضي أو الحصول على المزيد منها بالدولارات أو بالحرب، ففي عام 1803 اشترى الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون من الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت قطعة من الأراضي الفرنسية في شمال أمريكا تبلغ مساحتها 2,140,000 كم² وتشمل اليوم 15 ولاية أمريكية، مقابل 15 مليون دولار، وفي نفس الفترة تقريبا اشترت ولاية فلوريدا من إسبانيا بـ 5 ملايين دولار، وكامل ولاية كاليفورنيا بـ12 مليون دولار، في عام 1845 اغتصبت ولاية تكساس من المكسيك، مما أشعل نيران الحرب الأمريكية المكسيكية من 1846-1848 انتهت بهزيمة المكسيك التي جعلتها تواجه المهانة بقبولها اغتصاب الولايات المتحدة المزيد من أراضيها بشراء مناطق من وطنها، هي: نيفادا، ويوتا، ومعظم أراضي أريزونا، ونيومكسيكو، وبعض أراضي كولورادو، وويومينج، وقد أضافت تلك الحرب أكثر من مليونين ونصف مليون كم² من الأراضي لمساحة أمريكا. وفي عام 1859 اشترت ولاية آلاسكا التي تفوق مساحتها 1,5 مليون كم² من روسيا بـ 7,5 ملايين دولار، وآخر أرض اشترتها الولايات المتحدة الأمريكية هي جزر هاواي في عام 1959؛ مقابل 60 مليون دولار. وبذلك  وصلت مساحة الولايات المتحدة الأمريكية إلى 9.83 مَليون كم²، وانتقلت من ثلاث عشرة ولاية عند إعلان الاستقلال إلى خمسين ولاية حاليا.

يقول العلامة عبد الرحمن ابن خلدون في المقدمة:” أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول..”

ربما ينطبق هذا التوصيف الخلدوني لمرحلة الانقلاب التاريخي على وضع الولايات المتحدة الأمريكية التي تشكل أقوى إمبراطورية في التاريخ البشري، في عهد الرئيس دونالد ترامب، حتى وإن  لم يكن من الممكن الادعاء بأن الولايات المتحدة قد بدأت تبيع أراضيها، إلا أنه كان من غير المتوقع أن يقدم رئيس أمريكي على بيع مواقف الولايات المتحدة وقيمها ومبادئها بمبلغ 110 مليار دولار يدعي دونالد ترامب أنه تحصل عليها من المملكة العربية السعودية في شكل عقود تضمن للأمريكيين المزيد من الوظائف وتخفيض الضرائب وتطوير البنية التحتية. خصوصا وأن الولايات المتحدة كانت ومازالت تنفق المال السياسي لشراء النفوذ وذمم الأنظمة عبر العالم.

يوم 2 أكتوبر 2018 (اليوم الموافق لاغتيال الصحفي المغدور جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول) نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا أظهر التراجع الحاد في صورة أمريكا ومكانتها في الخارج منذ أن تسلم ترامب الرئاسة قبل عامين تقريبا، وبدأ بحروبه الاقتصادية من جانب واحد، وحملة الانتقاد اللاذع الذي تشنه إدارته ضد المؤسسات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة.

يرى عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ، الذي اشتهر بدقة توقعه للعديد من الأحداث السياسية منها تنبؤه بانهيار الإمبراطورية الشيوعية أو الاتحاد السوفياتي أن تولي ترامب للرئاسة سيسرع من عملية “الانهيار الأمريكي”. ربما لن يكون سقوط الإمبراطورية الأمريكية خلال عقد أو عقدين ولكن تصرفات ترامب الذي يدعي أنه أحسن رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، وأنه يقوم بعمل رائع في الإدارة الأمريكية وأن عزله سيصيب العالم بانهيار اقتصادي، يعطي مؤشرات واضحة على زمن السقوط.

عن المحرر

شاهد أيضاً

العلامة الشهيد الشيخ العربي التبسي رجل العلم والوطنية الصادقة

أ. عبد الحميد عبدوس/ الشيخ العربي التبسي أحد أقطاب جمعية العلماء المسلمين ومن أعمدة الإصلاح …