الرئيسية | على بصيرة | وا محمداه!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

وا محمداه!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

في ليل أمتنا المظلم البارد، وقد طال، فاشتد فيه كربنا، وادلهم دربنا، واشتعلت حربنا، فمن يمسح دمعنا، ويجفف قمعنا، ويوحد بعد هذا الشتات جمعنا.

في مولدك يا خير البرية، لم تعد تجدي الشموع، بعد أن تكسرت الضلوع، وتفرقت الجموع، وساد الخوف والرعب كل الربوع، قم يا رسول الله، تر ما ألـمّ بأمتك بعدك من المصائب والنكبات، وما تعانيه من ويل المكائد والاعتداءات.

لقد ضاعت منا القدس، وهي أولى القبلتين، ويوشك أن يضيع منا مسجدا الحرمين الشريفين ولا تسأل عن سوريا، واليمن، ومصر، وليبيا، وما بين الضفتين.

إنها لعنة المظلومين من العلماء، والحكماء والصلحاء، الذين نكل بهم، فزج بهم في غياهب السجون، بتربص بهم ريب المنون، لا لجرم ارتكبوه، بل لمجرد الشكوك والظنون.

إن محنة ما تعانيه أمتنا اليوم، هو معاداة حكامها للأشقاء، وموالاتهم للعملاء، والدخلاء من الأعداء.

إنها ردة ولا أبا بكر لها، فيا أيها الصدّيق، يا حب رسول الله، ويا ثاني اثنين، وخير وفي ورفيق؟ هل أتاك ما فعله الدعى والزنديق بخارطة الطريق؟ فقد مزقت وثيقة المدينة شر تمزيق، واستبدل حلف الفضول، بعهد البطريق، وسيم الخسف كل شريف، وكل أصيل عريق.

ويا ابن الخطاب يا عمر! هل أتتك الأخبار عن مكائد المتسلطين على رقاب البشر وما أحدثوا في أمتنا من شرور ومن ضرر؟ فقد سطونا على سيرتك البطولية، ومحونا ما بقي منها من معاني الشهامة والبطولة، وكل الأثر.

وماذا لو أطلت على واقع أمتنا اليوم روح ذي النورين عثمان بن عفان، حامي المصحف وجامع القرآن، والميسر بماله في ساعة العسرة؟ قم تشهد بعثرة مال المسلمين على الأعداء، وتسليح جيوشهم ضد الإخوة الأشقاء، ونصب الأحابيل والمؤامرات، والتواطىء مع أراذل القوم من قتلة الأطفال، والشيوخ والنساء!

أبعد هذا الهوان من هوان يا عثمان؟ وهذه رسالة إلى الإمام، صاحب السيف الصمصام، علي بن أبي طالب ابن الكرام وأبو الكرام.

فيا خليفة المسلمين، هل تدري ما فعلنا بسيفك الصمصام، الذي كنت به تفك الضيم عن الـمُضام، وتفتح به الحقول والعقول لصالح ديار الإسلام، لقد تحول هذا السيف إلى كسر العظام، وتقطيع الأجسام، وإذاقة المخالفين به الموت الزؤام.

فيا حيدر! يا بطل غزوات بدر، وأحد وخيبر! نحن نعاني اليوم كل فاحشة وكل منكر، بسبب تعنت كل جبار وكل متكبر.

فماذا ينفع اليوم إحياء المولد بالشموع، وجمع حلقات المساجد والنوادي في شتى الربوع، وقد لفّ الظلام والظلامية كل حياتنا، وزرع الخوف والرعب في عقولنا وملكاتنا، فما عاد يجدي النشيد لإسكاتنا، وقد ساد الوعيد معظم قواعدنا وحياتنا؟

هكذا يقبل المولد الشريف علينا، ونحن أذلة بعد أن كنا أعزه، تبددت قوتنا فأصبحنا مشتتين، تطاردنا شرذمة من المتحمكين والمتلصصين الأقلة.

أما آن لنا أن نستيقظ –إذن- على صوت الهزائم والنكبات؟ وهل بقي لعلمائنا وحكمائنا وأدبائنا وعقلائنا من عذر، كي يتناسوا أحقادهم، ويتجاوزوا فسادهم، للاستجابة لأمر الله، في قوله:﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[سورة آل عمران104].

إنه لعار –والله- على أمة أنجبت العظماء والخلفاء والعلماء والصلحاء والشهداء، أن تقبل بحياة العملاء والجبناء، وعندها مفاتيح الكنوز، والعلماء الرموز، وكل أسباب النصر والفوز.

﴿وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾[سورة يوسف105].

يكفي أن نذكر بامرأة عمورية المظلومة التي استنجدت بالحاكم المعتصم صارخة:”وا معتصماه” فجهز جيش المسلمين العرمرم، لفك أسرها، فهل إذا استنجدنا اليوم ونحن في رحاب المولد النبوي الشريف، وقلنا “وا محمداه” نجد الأذان الصاغية، والعقول الواعية، والملكات والمواهب الداعية.

إن الأمة كلها في الأسر، وأنها تبعث برسائل استغاثة إلى أولي الأمر، أن قوموا إلى أمتكم، وخلصوها من الذل والهوان الذي أوقعتموها فيه، بتخاذلكم وتواطئكم، وعمالتكم، فليس العيب بأحكام أمتنا، أن تخطئوا، ولكن العيب كل العيب أن تبقوا ممرغي الأنوف في الوحل، ومطأطئي الرؤوس بلا حياء ولا خجل.

إن لكم في سيرة رسول الله وصحابته أسوة حسنة، فاستلهموا منها العبر، ورصعوا جبينكم منها بما يمليه وما تقدمه من لآلئ وغرر.

فإن لم تفعلوا، فاعلموا أننا نشكوكم إلى الله، ونحن مظلومون، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

حذار إذن، إن علينا إلا البلاغ فاللهم إننا قد بلغنا، اللهم فاشهد!

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى يَرْعَوي الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في الإعلام والمدينة؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ابتليت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ …