الرئيسية | أقلام القراء | من أذواق الضّيافة..في السنة النبوية/ د. محمد عبد النبي

من أذواق الضّيافة..في السنة النبوية/ د. محمد عبد النبي

كثير من الأعراف و التقاليد لا تخضع لمسطرة التحليل و التحريم، التي بات بعض النشء يهوى الخوض فيها من دون بيِّنة، على اعتبار أن ما كان حلالا نفعله من دون حرج، و ما كان حراما ينبغي أن نتجنّبه من غير تردّد، و ليس الأمر بهذا الإطلاق، فالأعراف المستحدثة في هذه البيئة أو تلك، و في هذا الزمان أو ذاك هي الحكَم في كثير من هذه القضايا، و حين لا يكون المجتمع بعيدا عن بيّنات الشرع و بدهياته فإنها تندرج-حتما-في أصل من أصوله، و هناك أمر آخر لا يكاد ينضبط إلا بما يتواضع عليه بعض الناس ممّن يعيشون في الحواضر، و تنشأ لديهم أذواق خاصة في بعض التعاملات اليومية،  و هذه قد لا يستجيزها آخرون، و تستعصي على الأغرار أن يدرجوها في ثنائية الحلال و الحرام !

أخرج مسلم(3/1608)عن أبي مسعود الأنصاري، قال: “كان رجل من الأنصار يقال له: أبو شعيب، وكان له غلام لحّام، فرأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فعرف في وجهه الجوع، فقال لغلامه: ويحك، اصنع لنا طعاما لخمسة نفر، فإني أريد أن أدعو النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة، قال: فصنع، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه خامس خمسة، واتّبعهم رجل، فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا اتبعنا-وفي رواية أخرى: لم يكن معنا حين دعوتنا- فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع، قال: لا، بل آذن له يا رسول الله.”

و أخرج البخاري(4/193) عن أنس بن مالك قال:” قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجتْ أقراصا من شعير…” قال أنس:”.. فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: آرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم، قال: بطعام؟ فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا، فانطلق وانطلقت بين أيديهم…”

ما فعله الرسول صلى الله عليه و سلم في الحديث الأول من استئذان المضيف-بشأن رجل أقحم نفسه في العدد الذي أَمر به الداعي-يُعتبر قمّة في الذوق النبوي الشريف، و قد كان يمكن أن يدع الأمر على طبيعة العرب في الكرم،  وعدم التدقيق فيمن دُعي و من لم يُدع، و لكنه يعطي إشارات ذوقية للأجيال اللاحقة في الأزمان المختلفة، فلا يزال إلى اليوم من لا يجد حرجا في أعداد الضيوف إذا زادت أو تضاعفت، و منهم أناس في المدن قد يضيقون ذرعا بطفل يُضاف إلى القائمة!

قال الحافظ ابن حجر في الفتح(9/560): وفيه-أي في الحديث من الفوائد- أن من دعا قوما متصفين بصفة ثم طرأ عليهم مَن لم يكن معهم حينئذ أنه لا يدخل في عموم الدعوة-وإن قال قوم إنه يدخل في الهدية كما تقدم أن جلساء المرء شركاؤه فيما يهدى إليه- وأن من تطفّل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وأن من قصد التطفيل لم يُمنع ابتداء، لأن الرجل تبع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يردّه، لاحتمال أن تَطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له..”

غير أن الحديث الثاني أوحى صنيع النبي صلى الله عليه و سلم فيه بغير ما سبق، حيث أشار لمن معه بالقيام و الانطلاق لدار أبي طلحة، و يبدو أن الجمع بين الصنيعين-حتى لا تتضارب النصوص فيما بينها-سبيله أن النبي صلى الله عليه و سلم كان على علم برضا أبي طلحة بما يفعله النبي، للمودّة القائمة بينهما، بخلاف أبي شعيب في الحديث الأول، فلم يكن من الصحابة المعروفين، و قد ذكر ابن حجر أنه لم يقف على اسمه، و هي إشارة قوية إلى الملحظ المشار إليه، قال ابن حجر(9/561) نقلا عن المازري:”.. يحتمل أن يكون عَلِم رضا أبي طلحة فلم يستأذنه، ولم يعلم رضا أبي شعيب فاستأذنه، ولأن الذي أكله القوم عند أبي طلحة كان مما خرق الله فيه العادة لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكان جُلّ ما أكلوه من البركة التي لا صنيع لأبي طلحة فيها، فلم يفتقر إلى استئذانه، أو لأنه لم يكن بينه وبين القصّاب من المودة ما بينه وبين أبي طلحة، أو لأن أبا طلحة صنع الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم فتصرف فيه كيف أراد، وأبو شعيب صنعه له ولنفسه، ولذلك حُدِّد بعدد معين ليكون ما يفضل عنهم له ولعياله مثلا، واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فاستأذنه لذلك، لأنه أخبرُ بما يصلح نفسه وعياله…”

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نصوص ووثائق في تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والثورة-02/ عبد المالك حداد-

  كما التحق عدد معتبر من طلبة معهد ابن باديس بقسنطينة الذي تأسس عام 1947، …