الرئيسية | شعاع | في ثقافة الملتقيات/حسن خليفة

في ثقافة الملتقيات/حسن خليفة

الجزء الظاهر بالنسبة لكثيرين منّا ـ عادة ـ من الملتقيات، هو ذلك الحضور الجيد، والتنظيم الجيد، والاستقبال الجيد، والاستيعاب الجيد، وقد حدث هذا في ملتقى “تفعيل المنهج المقاصدي”بعين ولمان..قبل يومين..لكن ما هي حقيقة الملتقيات فيما وراء ذلك؟ وكيف ينبغي أن نقرأ النجاح ـ أيا كان ـ الذي يحققه ملتقى ما، من الملتقيات، وأعني هنا ملتقيات الجمعية وما أكثرها، وما أجمل نجاح الكثير منها…

هناك بعض الأمور ذات الصلة بالملتقيات ينبغي أن نمعن النظر فيها بجد، وينبغي أن نتعرّف عليها، وهذا تذكير عام، وقد يحتاج الأمر إلى تخصيص وبيان، وهو ما ينبغي أن تقوم به الشعب وتراكمه وتفصّله في شكل “دليل عملي” يمكن أن يكون خبرة ثمينة تُنقل إلى من يهمهم الأمر، وتُتناقل من شعبة إلى أخرى.

إنه من مقاصد أي ملتقى معرفة أسباب نجاحه، وهذه بعض الملاحظات فيما يجب أن يُعرف عن ذلك؛ خاصة الكبيرة منها والتي يحضرها المئات.

  • مما يجب التذكير به في هذا الخصوص وجوب العمل (التحضير) بأسابيع وأشهر لتنظيم أي ملتقى، وذلك يعني: لقاءات متكررة، واجتماعات متعددة، وسهر، وشغل، وجهود، وبذل وسع وطاقة متجددة..ومواضبة وتفكير، كل ذلك في كنف انسجام وتواؤم وتراحم..وما ذلك ببسيط في عالم البشر..خاصة وأن معظم العاملين من أعضاء الجمعية غير متفرغين (أي لديهم ارتباطات وظيفية وأعمال)، وبالتالي يكون هذا العمل إضافيا ومجهدا ومتعبا وقد يمتد العمل إلى وقت متأخر من الليل..فإذا دام ذلك وامتد لأسابيع..يمكن تصوّر الجهد المبذول في المواءمة بين العملين..دون أن ننسى الالتزامات الأسرية والعائلية.. وأعباؤها أيضا كبيرة.
  • العلاقات مع مختلف الجهات والهيئات..أحد الأسرار المهمة في مجال إنجاز الأعمال ذات الصلة بنجاح مؤتمر أو ملتقى أو ندوة..فالحاجة إلى مكان اللقاء (قاعة محاضرات مثلا) والحاجة إلى مكان للإطعام، ومكان للمبيت ليس أمرا بسيطا. ولكن سيكون بسيطا بحول الله عندما تكون الصلة بين الشعبة العلمائية وبين باقي الإدارات والهيئات والمؤسسات صلة تعاون على البر والخير والصلاح والفكر والثقافة وخدمة المجتمع..فمن الضروري أن نعمل على تجسير الفجوة بين الجمعية وبين كل الهيئات؛ فالأصل في العلاقة التعاون..والتكامل، لكن هذا ليس أمرا يسيرا في كل الأحوال، بل يحتاج إلى نمط من الأشخاص الذين لديهم القدرة على تقديم الجمعية بشكل إيجابي، وقبل ذلك إثبات الذات بنشاط نوعي منتظم مقنع في الميدان، في عديد الميادين: ثقافة، تربية، فكر، شباب، تكوين، مسابقات، سياحة،..حتى تنطبع الصورة الأصلية والحقيقية للجمعية وأنها جمعية عمل واجتهاد وتكامل بعائد فوائد متعددة على المجتمع…

3ـ أحد أسرار النجاح في أي تظاهرة؛ خاصة التظاهرات العلمية والفكرية التي تستقطب أعدادا كبيرة، ويكون التكفل فيها كبيرا بالحضور..أحد أسرار النجاح هو “التنظيم” وحُسن توزيع المهام، وتحديد الفرق العاملة (كل في تخصصه ومجال براعته واهتمامه): الاستقبال، الإيواء، الإطعام، الاتصال، الثقافة، الإعلام، الخ…وكلما تحقق هذا بشكل جيد كلما سمح بالتقدم والإنجاز بصعوبات أقل.

فمن الأفضل أن تُعرف ميول واهتمامات الأعضاء وما يقدرون عليه ويتم توجيههم وإعدادهم وفق ما يحسنونه. وليس هذا بالأمر البسيط أيضا، فقد يكون هناك “شح” في عدد الأعضاء أنفسهم، وقد يكون هناك “نقص” في الإلمام والتكوين لبعض الأشخاص، وقد يكون هناك تنافر بين البعض، بشكل أو بآخر، وهذا يستدعي اهتماما خاصا، ويقظة، وتكوينا سريعا، وتوجيها دقيقا متكررا..وهو أيضا يأخذ جهدا وطاقة ووقتا، قد تكون على حساب أمور أخرى.ولكن لابد من ذلك…

4ـ كل نشاط وخاصة النشاط النوعي الذي يستوعب أعدادا كبيرة، في حاجة إلى رعاية ومال وبذل، وعليه فإن تمويل النشاط يحتاج بدوره إلى عمل وإلى براعة، وقبل ذلك إلى توفيق من الله تبارك وتعالى (والإخلاص ركن ركين في كل عمل صالح)…فالاتصال والعلاقات، وطلب التشارك وطلب الرعاية، والتوجه إلى الجهات المختلفة لتحقيق هذا المطلب العزيز يحتاج بدوره إلى دورة عمل منتظمة مجهدة شاقة… وتحتاج إلى تحمّل وقدرة وصبر وحُسن حديث وجميل استقطاب وتفكير، كما تحتاج أيضا إلى “نوع خاص” من الرجال ـ المفاتيح، دعاة وأساتذة وأئمة وغيرهم، وتحتاج إلى  جدار عال من: الصدق، والكفاءة، والنزاهة، وعلو الهمة …فلابد ـ في كل حال ـ من التفكير في فريق أو أكثر من هذا النوع من الرجال (وربما بعض النساء مع النساء) لتمتين العلاقة وتحصيل ما لابد منه وهو المال…لتحقيق المراد..

5ـ ثمة أمر يحتاج إلى الحديث عنه وهو المتصل بالمؤطرين والأساتذة المحاضرين ومن الأهم ممن سينشطون اللقاء ـ الملتقىـ الندوة ـ المؤتمر…؛ خاصة إذا كان طويلا يومان أو ثلاثة، وفيه عدد كبير من المتدخلين..لابد من حساب ذلك بشكل دقيق، والتواصل المستمر مع المحاضر حتى تثبيت الحضور. وقراءة حساب طارئ يمنعه من الحضور.

إن اختيار المحاضر نفسه ليس أمرا سهلا ولا متيسّرا، فقد يكون ـ دون المستوى ـ وقد يتحدث في شؤون..محرجة (يخرج عن النص)، وقد يكون على غير تحضير أصلا، وإنما يرتجل، فينبغي التواصل معه في اختيار الموضوع والوقت، والجلسة، ومع من الخ …وبالجملة ثمة سلسلة طويلة من التساؤلات والإجابات عنها ..لتكوين الفكرة الأساسية عن محاضر بعينه وما يمكن أن يتحقق من حضوره من نفع وخير، هذا في حالة تأكيد حضوره، ومع ذلك قد يعتذر في آخر لحظة، لسبب طارئ..فكيف يجب التصرّف، وكيف ينبغي التفكير في الأمر ابتداء..وكيف يمكن تعويضه، ودفع الضرر المتحقق من غيابه. يتبيّن لنا من كل ذلك مقدار ما يُبذل من جهود، وأوقات، وطاقة، وفكر وتفكير، من الرجال والنساء الذين يحضّرون لنا أي ملتقى أو مؤتمر أو لقاء …فبارك الله في الجهود الظاهرة والخفية، وأجزل لهم ولهن الأجر والمثوبة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

موقــــــع العـــــلامــــة الشيــــخ عبــــد الحميــــد بــن بــــاديــــس… – حقائـــــــــق وأرقــــــام –

يكتبه: حسن خليفة/ بدأ موقع العلّامة عبد الحميد ابن باديس، قبل عشرين عاما بداية بسيطة، …