الرئيسية | حديث في السياسة | عن المولد أحدثكم/ التهامي مجوري

عن المولد أحدثكم/ التهامي مجوري

في مثل هذه الأيام من كل عام، يتحدث الناس عن المولد النبوي الشريف، وعن مدى مشروعيته؟ ومدى أهمية ذكره، وما يمكن أن يستفاد من إحيائه بين الناس واستحضارهم معانيه؟

وخلاصة هؤلاء المتحدثين فريقان: فريق يرى عدم مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي مطلقا، تحرزا من الوقوع في التعبد بما لم يأذن الله به، حيث أن العبادة لا تشرع إلا بنص، وإحياء ذكرى المولد لم يرد فيها شيء لا عن الشارع ولا عن السلف.

وفريق لا يرى مانعا من إحيائها، ذكرا للنبي الكريم، وحث الناس عن الاقتداء به، وتذكيرهم برسالته وفضائله.

وبقطع النظر عن مدى أفضلية تعليلات الفريقين في مذهبيهما، فإن المولد ذكرى وحدث مرتبط بحركة الإنسان، حيث يمكن أن تستحضر هذه الذكرى مرتبطة بحركة أو فعل من صميم رسالة الإنسان في الحياة، وذلك معنى آخر أعمق وأدق من مجرد تبني هذا الرأي أو ذاك، وذلك نلمسه في موقفين للنبي صلى الله عليه وسلم، كلاهما كان بمناسبة، وحدث له علاقة بفاعلية الإنسان ورسالته وليس بالحدث في حد ذاته.

فالموقف الأول عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووجد اليهود يصومون عاشوراء، إحياء لذكرى نجاة موسى.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، نحن أولى بموسى منهم، وأمر بصوم يوم عاشوراء، ولم يعلق عن ربط العبادة بالذكرى. والموقف الثاني عندما سئل عن صومه صلى الله عليه وسلم ليوم الاثنين فقال هو اليوم الذي ولدت فيه، فذكر اليوم بما تميز به، رغم أنه يوم من أيام الله.

وما يسجل في هذين الموقفين أن النبي صلى الله عليه وسلم، صام وأمر بالصوم في هذين اليومين، وكأنه أمر بهما مرتبطين بالحدثين، ولم يفرق بين الفعل والمناسبة وكأنهما واحد، في حين أن المعلوم عندنا في الفقه أن صيام عاشوراء وصيام يوم الاثنين، سنتان لذاتيهما، وليس لكونهما مرتبطين بالحدثين…، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينف ارتباطهما، ولم يرد عنه أنه نهى عن الربط بهما.

وأمر آخر لم يرد عن أحد من الناس أنه يحيي ذكرى المولد تعبدا، إلا ما كان من الفاطميين في مبالغاتهم في تعظيم آل البيت، أما عند باقي المسلمين، فكانوا ولا يزالون يتعاملون مع هذا اليوم بوصفه مناسبة يغتنمونها في التذكير بخصال النبي صلى الله عليه وإحياء سنته والتذكير بالدين كمصدر إلهام للأمة؛ بل إن علماء الجزائر اغتنموا فرص المولد النبوي في كل عام لتثبيت المفاصلة مع الاستعمار، فكانت الأمة تحيي هذه الذكرى بجميع أنواع بعث البطولات والتميز عن الغرب ورذائله..فقصيدة “شعب الجزائر مسلم”، ألقيت في الاحتفال بالمولد سنة 1938 في عنابة، في نشاط نظمته الكشافة الإسلامية بفوجيها “فوج الرجاء” و”فوج الصباح”، وهما المعنيان بقول الإمام ابن باديس رحمه الله:

يا نشء أنت “رجاؤنا”      وبك “الصباح” قد اقترب.

والفرق الرياضية التي تسمت بالمولودية، كلها تسمت بذلك الاسم نسبة إلى المولد الذي يطلق عليه عامة الجزائريين “المولود”.

لقد تعاملت الأمة مع المولد النبوي الشريف كمناسبة باعثة على الذكر والفعل والفكر، تذكير برسالة الإسلام، واهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وتدبر في الواقع.

وعندما نربط المواليد برسالة الإنسان وخلافته في الأرض، فإن ميلاد الإنسان في حقيقته، ميلاد رسالته، وميلاد فعله، وميلاد فكره وأثره في الواقع، وبذلك يولد الإنسان أربع مرات في حياته.

يولد الميلاد الطبيعي عندما يخرج من رحم أمه فيفرح به أهله، ويكون إضافة في العائلة، تقر به العين ويفرح به الأهل والأقارب، ويُرجى منه ما يرجو الآباء من أبنائهم.

ويولد مرة ثانية عندما يخرج من رحم الأسرة إلى ساحات المجتمع، فيكون إضافة له بما يساهم به من أفعال تقر بها عين المجتمع.

ويولد مرة ثالثة عندما يخرج من رحم المجتمع إلى فضاء الأمة، فيشعر بأفراحها وأتراحها وبمكاسبها ومآسيها، كما يشعر بذلك في أسرته وفي مجتمعه “مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وكما جاء في الكتاب العزيز {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء:92].

ويولد ميلادا رابعا عندما ينفتح الإنسان على البشرية، ويكون له أثر في العالم تحس به البشرية كلها القريب والغريب.

على أنه ليس للإنسان حظ من هذه الولادات إلا ما كان إضافة له في نفسه وفي محيطه.

ومحمد صلى الله عليه وسلم، قد عاش هذه الميلادات كلها وسار فيها وفق التوجيه القرآني تفاعلا مع الخطاب الإلهي وحركة الكون والإنسان {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}[الشعراء: 214]، {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}[الشورى: 7]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107].

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …