الرئيسية | قضايا و آراء | الآثار اللغوية للعولمة؟/ علي حليتيم

الآثار اللغوية للعولمة؟/ علي حليتيم

القول إن لغات العالم السبعة آلاف متساوية بحكم الإعلان العالمي للحقوق اللغوية قول صحيح ومضلل في الوقت ذاته، لأن لغات العالم غير متساوية من الناحية الإحصائية، حيث لا يتكلم بعض اللغات إلا أفراد قليلون (في 4 نوفمبر 1995 توفي آخر المتكلمين بلغة الكاسابي الكاميرونية مثلا) وهي غير متساوية من الناحية الاجتماعية حيث تؤدي بعض اللغات دون بعض أدوار الهيمنة والوظائف الرسمية والأدبية والتواصلية دون البعض الآخر، وهي غير متساوية من حيث التمثلات حيث يعتبر المتكلمون بعض اللغات لغة هوية دون اللغات الوطنية الأخرى.

كان من مبادئ الاتحاد الأوروبي لدى تأسيسه أن تكون لغاته الرسمية هي لغات بلدانه المؤسسة، وكانت آنذاك مجموعة قليلة من الدول. أما اليوم فهو يضم ثمان وعشرين دولة تتكلم أربعاً وعشرين لغة رسمية، يوظف الاتحاد الأوروبي لأجل أعمال الترجمة في اجتماعاته 500 مترجم دائم و300 متعاون بما يمثل 125000 يوم ترجميّ كل يوم!

هذا الوضع يهدد الاتحاد الأوروبي بالانفجار أمام تمسك كل أعضائه بهوياتهم اللغوية (تعتبر الفوارق بين التشكية والسلوفية بسيطة جداً لكن كل طرف يتمسك بلغته) وضغط ألمانيا وفرنسا نحو الاقتصار على اللغات الثلاث الألمانية والفرنسية والإنجليزية، فيما الإنجليزية تواصل زحفها على كل المشاهد في أوروبا.

المثل الأوروبي يُبين لنا أن العولمة قد دخلت « سوق اللغات » مثلما دخلت غيره من الأسواق وتسعى لتنظيمه من منظور الموقع المركزي للغة الإنجليزية من جهة ولكن كذلك من منظور القضاء على اللغات الوطنية الحاملة للهوية كما في السينيغال مثلا حيث اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية أمام ست لغات وطنية هي: الولوف والفولانية والسيريرية والمندنكا والسوننكية والديولا وبعض هذه اللغات الوطنية كالفولانية ناشرة يتحدث بها في عشرة بلدان: مالي والنيجر وبوركينا فاسو… الخ

لقد أدى الوجه القبيح للعولمة (تكريس النيوكولونيالية، إلغاء الخصوصيات الهوياتية وربط اقتصادات الأطراف بالمحور) إلى بروز ناد للكبار اللغويين يتمثل في لغات الشمال بينما تعيش باقي لغات العالم وضعا مأساوياً حيث ينتظر بعضها الموت (هناك ألف لغة يتحدثها أقل من 500 شخص وألف وثمانمائة لغة يتحدثها ألف شخص!) فيما تستحوذ الإنجليزية على 40 % من ترجمات العالم وهو ما يعني أن العالم سوف يصبح رغما عنه إنجليزياً!

والأخطر في كل ذلك أن نسبة نقل لغة الأهل للأجيال الجديدة في تراجع مستمر. ففي فرنسا مثلا حيث تعيش جالية جزائرية كبيرة يقوم 30% فقط من القبايل بنقل لغة الآباء الى أبنائهم مقابل 50% من الجزائريين، عرب وغيرهم، الذين ينقلون العربية إلى أولادهم وهو ما يعني أن الفرنسية ستكون هي اللغة الأم لجيل كامل من الأطفال في المهجر وحتى في الجزائر حيث تعلم كلغة أولى في المدارس الخاصة وحيث تتحدث الطبقة البورجوازية الفرنسية لاعتبارات معروفة لا يسع المجال للبسط فيها.

وتشير الدراسات ذاتها أن الأهل الذين ينقلون لغة آبائهم هم الأكثر تهميشا في فرنسا مما يشير إلى السياسات اللغوية الفرنسية تجاه جاليتنا.

إن اللغات تمتد في العالم كلغات تواصل ( الغنجليزية) أو تنمية ( الإنجليزية) أو دين (العربية) أو تحافظ على مكانتها كلغة استعمار مفروضة ( الفرنسية) أو تنكمش كلغات هوية لأن العولمة وضعتها في خانة التقليد والتخلف والانطواء وقرنتها بالفقر الثقافي وتضييع الفرص الاجتماعية والاقتصادية، بينما ربطت لغات نادي الكبار أو « يالطا اللغوية » على حد تعبير لويس جون كالفي بالحداثة والثراء وتعدد الفرص والاعتبار الاجتماعي.

إن عدم انتقال لغة ما في بيئة الهجرة بنسبة 100% قد يكون مفهوما بشكل ما لكن غياب هذه النسبة للانتقال في بيئة اللغة نفسها كما هو حاصل للغاتنا الوطنية في العاصمة الجزائرية لهو دليل على ثقل الإرث الاستعماري اللغوي الذي عجزنا عن التخلص منه ولو لعولمة لغوية إنجليزية أجدى للتواصل والتنمية وأدعى للتحرر أو تخلصنا منه ثم عاد بطريقة ما علينا كشفها للأجيال حتى لا يتكرر الخطأ.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …