الرئيسية | في رحاب الشريعة | مفاتيح النصر في تكامل العلم الشرعي والكوني/ محمد مكركب

مفاتيح النصر في تكامل العلم الشرعي والكوني/ محمد مكركب

لقد تأكد بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن هدف المؤمن رجلا كان أو امرأة هو أن يحيا لله تعالى عابدا موحدا قانتا، شاكرا ذاكرا، حتى يموت على الإسلام، وهو يعي كل الوعي أن حياة العبودية لله تعالى تقتضي الإعداد للمستقبل الدنيوي، بالقوة المعرفية العلمية، والقوة الاقتصادية العمرانية، وللمستقبل الأخروي بما تعبدنا الله تعالى. بينا فيما سبق ثماني مفاتيح أساسية، وهذان التاسع والعاشر، والمفروض أنهما المفتحان الأولان، إنهما: العلم، والإرادة. 

والذي يعتصم به المسلم وهو سائر إلى الدار الآخرة، ومن أجل أن لا يحيد عن الهدف، أن يعتصم بالله، وبـحبله، وكل ذلك بالعلم والعمل، والنية والإخلاص. من هنا قلنا: إن المتدبر للقرآن الكريم والحديث الشريف يصل إلى نتيجة مفادها أن قيم العلم، من تربية وتعليم، وبحث، وتجريب، في الكون والتاريخ والتراث المعرفي، كل ذلك من مقتضيات القيم الحضارية، لبناء دولة ذات سيادة كاملة، لها كرامتها واكتفاؤها وسلطانها وشرفها.

المفتاح التاسع: العلم الشرعي والإنساني والمعرفة التقنية: كل العلل التي كانت سببا في الانحراف الديني، أو الاجتماعي، أو الثقافي، أو السياسي، كانت من الجهل، فكان السبب في عبادة الأوثان في القديم هو الجهل، والسبب في وقوع كثير من البلدان تحت سيطرة الاستعمار في التاريخ الحديث ومنها البلدان العربية، فالسبب هو الجهل، والجهل نفسه سبب التخلف والتنطع والحرابة والإرهاب. وأكثر ما يدمر الأوطان والدول هو الجهل والأمية الفكرية. اقرأ وتدبر:﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ﴾[سورة النحل:38/39] إن الوفاء بموعد البعث حق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنهم يبعثون، وهذا هو السبب في كون كثير من الناس يعيشون في اللهو والعبث ولا يستعدون للقاء الله تعالى:﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ بلى سيبعثهم الله ليبين لهم الذي يختلفون فيه وهو الحق. وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما يزعمون. ما هي نتيجة تدبر هاتين الآيتين؟

هذا ليعلم القارئ الكريم أن مفتاح العلم لبناء الدولة القوية الحضارية، هو العلم الشامل، علم الإيمان أولا، حتى يخرج الغافل من غفلته، ويعلم المقصد والهدف الذي يريد الوصول إليه وهو الجنة، يتعلم علم الكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيات والعلوم الشرعية وكل المعارف، ليوظف كل ذلك في طريق الجنة.

لذلك قلت لك في مقالات سابقة إن العباقرة المصلحون، وعمالقة المعرفة المكتشفون هم الذين تعلموا علم العلم، ولم يتوقفوا عند علم المعلومات. هل تذكر المفاتيح التي سبق بيانها؟. وتلك المفاتيح هي:( 1 ـ الإيمان اليقيني. 2 ـ الآيات المحكمات.3 ـ  الاتحاد. 4 ـ اجتناب خطوات الشيطان.5 ـ اتباع أسباب التمكين.6 ـ الشكر العملي.7 ـ العدل.8 ـ الشورى العلمية) فعلم العلم أن تفقه مقاصد هذه المفاتيح.

وفي هذا المقال: ها نحن نبين المفتاح التاسع، وهو:( العلم الشرعي والمعرفة التقنية)، والمفتاح العاشر، وهو:( الإرادة والإخلاص والتضحية).

مفتاح العلم والمعرفة: من أين يبدأ طريق العلم؟ من الكون، عن طريق الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكون. قال الله تعالى:﴿ قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ * وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[الأنعام:104/105] قال البيضاوي:( البصائر جمع بصيرة وهي للنفس كالبصر للبدن، سميت بها الدلالة لأنها تجلي لها الحق وتبصرها به. فمن أبصر أي أبصر الحق وآمن به. فلنفسه أبصر لأن نفسه لها. ومن عمي عن الحق وضل. فعليها وباله. وما أنا عليكم بحفيظ وإنما أنا منذر والله سبحانه وتعالى هو الحفيظ عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها).

قلت: ابدأ من القرآن يتضح لك طريق الجنان، فكن من أولي الألباب ولا تكن من الغافلين. وقال تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ هل علمت من هم الذين يقال لهم:﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ويقال عنهم:﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً * خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ ويقال عنهم:﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ والغرفات جمع غرفة في أعالي الجنان، إنهم الذين تفقهوا في الواجبات فأحسنوا أداء الأمانات، ففتح الله عليهم البركات، إنهم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات، ففازوا بلقب الصالحين والصالحات. ففي علم الفلاحة. قال الله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:10/11]. وفي علم الصناعة:﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[سبأ:10/11]. وفي علم الفلك والإحصاء:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾[يونس:5/6] وغيرها من العلوم في كل مجالات الحياة.

مفتاح  الإرادة والإخلاص: إن الله تعالى يريد برحمته أن يدخل عباده المؤمنين الجنة، وإبليس لعنه الله يريد أن يدعوهم إلى حزبه ليكون من أصحاب النار:﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ.﴾[الحجر:39/42] ﴿ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي قال إبليس: رب بسبب إغوائك إياي وإضلالي لأزينن لذرية آدم وأحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها، ولأغوينهم كما أغويتني، إلا من أخلص منهم لطاعتك، ووفقته لهدايتك، فإن ذلك ممن لا سلطان لي عليه ولا طاقة لي به.

هل بلغت الأمة العربية مرحلة اليقظة الحضارية، والوعي الإيماني حتى يضحي الحاكم بماله وحياته لوطنه؟ أم مازال عصر الجمع والعد والاستبداد والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. ومازال عهد تكريس التخلف والهوان؟  لماذا استطاع عمر بن عبد العزيز في أقل من عامين أن يصل بالأمة الإسلامية إلى مكانة الخلافة الحاكمة التي تفرض سيادتها على العالم؟ وحكام آخرون جاؤوا من بعده أدخلوا الأمة في فتن لا مخرج منها؟ الفرق في: النية والإخلاص والتضحية، بعد العلم واتباع الأسباب.

الحكام الناجحون: أعطوا من مالهم الخاص للأمة ولم يأخذوا من خزانتها، ويأكلون ويلبسون ويسكنون كما يأكل ويلبس ويسكن أي مواطن من مواطنيهم، يتفقدون الرعية ويخدمونها بإخلاص.

بهذه الخصال العالية، فتح المسلمون القلوب والدروب فنصرهم الله على أعدائهم، وأقاموا حضارة العراق مدرسة البصرة والكوفة، والأندلس ومدرسة قرطبة وغرناطة، فلما جاء ملوك الغنائم والمكاسب والغناء والطرب والمجون واللعب والاختلاسات والتبذير، ضيعوا الأندلس والحضارة العربية، واستوردوا التخلف والتبعية..

ألم يعلم العرب وحكام العرب وعلماء العرب، أنه حتى الدنيويين الذين قال الله فيهم:﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾[سورة الروم:7].صاروا يفهمون قيمة المسؤولية ويقدرونها حق قدرها، ويعملون بقيمة العلم والتضحية، ويخدمون أوطانهم بإخلاصهم لبلدانهم، كالصينيين واليابانيين، أما غيرهم من المتقدمين دنيويا فإنهم تقدموا على حساب العرب. فلولا خطأ العرب ما كانت لتكون أي كلمة لمن استعمروهم ودمروهم بالأمس، ومازالوا يمتصون جهودهم بالمجان. قال الله تعالى:﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف:10].

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …