الرئيسية | في رحاب السنة | تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية (13)/ خير الدين هني

تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية (13)/ خير الدين هني

قال عنه طه حسین:”لم أكد أجلس إلى كازانوفا حتى استیقنت أ ّن هذا الرجل كان أقدر على فهم القرآن وأمهر في شرحه وتفسیره من هؤلاء- یقصد علماء الأزھر- الذین یحتكرون علم القرآن ویرون أنهم خزنته وأصحاب الحق في تأويله”[كازانوفا وطه حسین بقلم: محمد البیاسي].

علماء الأزھر المسلمون في ذلك الوقت الذین قضوا سنوات طویلة، یدرسون القرآن ویتدارسونه كابراً عن كابر، لا يفقهون شیئاً من القرآن الكریم، أما ذلك الفرنسي المسیحي، المستشرق الحاقد فهو أعمق في فهمه منهم، وقال عنه طه حسین أیضا:” ولقد أرید أن یعلم الناس أني سمعت هذا الأستاذ (كازانوفا) یفسر القرآن الكریم تفسیراً فتمنيت لو أتیح لمناهجه أن تتجاوز باب الرواق العبـــــــاسي – بالأزھر- ولو خلسة لیستطیع علماء الأزھر الشریف أن یدرسوا على طریقــة جدیدة نصوص القرآن الكریم من الوجهة اللغویة الخالصة، على نحو مفید حقاً”  .

وأشهر ما قاله طه حسين في (كازانوفا(:”لولا كازانوفا ما فهمت القرآن. ”  ابن كثیر والطبري والقرطبي والزمخشري وسید قطب والآلاف ممن كانوا معهم وبعدھم .. لم ُ یقنعوا طه حسین بالشرح والتفسیر، ولكن أقنعه فرنسي مسیحي مأجور ! لقد كان كازانوفا مسیحیاً شدید الإیمان بمسیحیته.

وقد شكك هذا الكازانوفا بنسبة القرآن الكریم إلى الوحي الإلهي عموما، وبنسبة بعض الآیات خصوصا، وهذا مما قاله: ” كان تفسیر عدم استخلاف النبى لأحد من أصحابه لتولي أمر المسلمین هو اعتقاده أن نهاية العالم قریبة”(كازانوفا وطه حسین بقلم: محمد البیاسي).

وحين أخذت آراء المستشرقين في الانتشار بين النخبة المتعلمة من شباب المسلمين، وجعل الشك يسري في عقولهم، انبرى أدباء ومفكرون غيورون ينافحون عن حياض الإسلام بأقلامهم، وكان الدكتور زكي مبارك خير من يمثل جيل المحافظين، فتصدى بقلمه ليهدم آراء المستشرقين والمتأثرين بهم، من أمثال طه حسين وسلامة موسى وقاسم أمين ولطفي السيد…وغيرهم. وكانت المعارك قد استفحلت بين طه حسين  وزكي مبارك، حين ألف الأخير كتابه (النثر الفني عند العرب في القرن الرابع الهجري) فزاد ذلك حدة الخلافات بين الاثنين خالف فيه رأى المستشرقين ورأى طه حسين.

وكان قد دبّ الخلاف بين زكي مبارك وبين أساتذته في السوريون (وليم مرسيه1872 م -1956م)  مستشرق فرنسي، وجه اهتمامه إلى اللغة البربرية واللهجة العربية المغربية. له آثار منها  ترجمة «ديوان أوس بن حجر التميمي» إلى الفرنسية. حين أصر على رأيه وسجله في رسالته «النثر الفنى»، التي نال بها الدكتوراه، أثبت فيها أن العرب هم من أبدع  النثر الفني، خلافا للمستشرقين وطه حسين الذين نفوا ذلك عن العرب..استمرت المعركة بين طه حسين وزكي مبارك تسع سنوات كاملة، رغم ما بلغه الاثنان من قيمة اعتبارية كبيرة. وكان طه حسين –لحقده- على من يعارضه شديدا، لذلك بالغ في قسوته على زكي مبارك، حين فصله عن الوظيفة من الجامعة. ولذلك قال زكي مبارك كلمته الشهيرة:« لو جاع أولادي لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه”. وقصة المعارك بين طه حسين وزكي مبارك  فيها شيء من الملحة والطرافة، وهي شيقة ومثيرة، وأزمتها كانت عميقة وليس هذا محل شرحها.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مراحــــل الــدعـــوة النبــويـــة فـي مـكـــة1/ خير الدين هني

المرحلة الثالثة: حينما انتهت المرحلة الثانية وهي المرحلة السرية التي كانت تجري وقائعها في دار …