الرئيسية | وراء الأحداث | هل هم من البشر؟ !/عبد الحميد عبدوس

هل هم من البشر؟ !/عبد الحميد عبدوس

بعد خمسة أسابيع على اغتيال الصحفي المغدور جمال خاشقجي في مبنى القنصلية السعودية في اسطنبول بتركيا، أعلن يوم الخميس 08 نوفمبر 2018 مكتب المدعي العام التركي إن النيابة العامة أوقفت البحث عن جثة خاشقجي بعد توصلها لقناعات عن أن الجثة تم تذويبها بواسطة أسيد الهيدروفلوريك ومواد كيميائية خاصة… وأن نقاط البحث والمراقبة المتعلقة بمحاولة إيجاد جثة خاشقجي أصبحت “لا قيمة لها”.

هكذا إذن تكشفت للمحققين الأتراك تفاصيل الجريمة الوحشية الغادرة التي غيبت جثمان جمال خاشقجي ـ عليه رحمة الله ـ الذي كان يعتبر من رموز الإصلاح والتنوير في المملكة العربية السعودية، ومدافعا صلبا عن شرف الكلمة وحرية التعبير، والمفارقة أن اغتيال خاشقجي جاء في وقت أطلق فيه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ـ المتهم الرئيس في إصدار أمر الاغتيال ـ وعودا براقة بتحقيق الإصلاح، وتحديث المجتمع، واستعادة الإسلام المعتدل، ولكن جمال خاشقجي صرح لموقع “دويتشة فيله” الألماني في أكتوبر 2017 ( أي قبل عام كامل من اغتياله) قائلا:”أنا متأكد أنه لو  وجه هذا السؤال للأمير محمد لقال إن الوهابية هي الفكر المعتدل لأنها هي أساس بناء الدولة”.

بعد أن بدأ حبل تهمة إصدار أمر الاغتيال يلتف حول رقبة محمد بن سلمان، لم يعد ولي العهد السعودي يجد ما يتشبث به سوى الدعم الصهيوني، حيث تطوع رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو للتوسط له في البيت الأبيض لتبرئته من تهمة إصدار أمر اغتيال خاشقجي، وبعد نتنياهو دعا السفير الإسرائيلي لدى واشنطن رون ديرمر الولايات المتحدة الأمريكية إلى عدم التفريط بعلاقتها مع السعودية، وقال:”إنه عندما تعرف الإدارة الأمريكية كل الحقائق بشأن مقتل خاشقجي، فإن عليها أن تدين الحادث، لكن ينبغي في الوقت نفسه ألا تفرّط في مصالحها مع الرياض”.

وإثر ذلك بعث ولي العهد السعودي ـ حسبما ذكرته وسائل إعلام إسرائيلية ـ رسالة لإسرائيل ضمنها استعداده لإنهاء القطيعة مع إسرائيل.

ومع تطور مسار التحقيق في جريمة الاغتيال، تصاعد استنجاد الأمير محمد بن سلمان باللوبي الصهيوني، حيث استقبل يوم الخميس1 نوفمبر2018 وفدا من المسيحيين الإنجيليين بقيادة جويل روزنبرغ الذي يحمل الجنسية الأمريكية والإسرائيلية ويقود المؤسسة الإنجيلية ويعيش في إسرائيل بالقدس المحتلة، وعمل مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.  كما ضم وفد المسيحيين الإنجيليين مايك إيفانز مؤسس جماعة (جيروزالم براير تيم) أي (فريق الصلاة في القدس) الذي يصف نفسه على موقعه الإلكتروني بأنه “زعيم صهيوني أمريكي-مسيحي ورع”.

وحول ما دار في هذا اللقاء نقل موقع “أكسيوس” الأمريكي عن رئيس الوفد الإنجيلي جويل روزنبرغ، أن محمد بن سلمان تحدث عن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والعلاقات “الدافئة” بين الرياض وتل أبيب لنحو ساعة ونصف من اللقاء الذي استمر قرابة الساعتين، وطلب ولي العهد السعودي من أعضاء الوفد ألا يتم الكشف عن فحوى ما دار بينهم حول العلاقات السعودية الإسرائيلية، وعن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولكن وكالة الأنباء السعودية قالت إنه جرى خلال هذا اللقاء التأكيد على “أهمية بذل الجهود المشتركة بما يعزز التعايش والتسامح ومكافحة التطرف والإرهاب”.

وكأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لم يجد في هذا الظرف الحساس من يتحاور معه حول “جهود تعزيز التعايش والتسامح ومكافحة التطرف والإرهاب” سوى وفد مسيحي إنجيلي يترأسه الصهيوني جويل روزنبرغ الذي سبق له أن قال:” أنا لا أعتقد بأنه -أي القرآن- مقدس، أنا لا أعتقد أنه كلمة الله، أعتقد بأن الذين يتبعون الإسلام مخطئون، وبـحاجة لترك الإسلام، ولتستقبل المسيح كمنقذ شخصي وإله “.

وبالتأكيد، فإن آراء روزنبرغ المعادية للإسلام والمسلمين لم تكن مجهولة أو غير معروفة في السعودية، فقبل سنوات نشرت شبكة “الألوكة” السعودية مقالا للدكتور عبد الرحمن أبو المجد تحت عنوان “جويل روزنبرغ: مستشرق يهودي يصف الإنجيليين للحرب الأخيرة”، ومما جاء فيه:” جويل روزنبرغ واحد من أكثر المستشرقين اليهوديين الإنجيليين المدافعين عن إسرائيل، والمتمسكين بالنبوءة التوراتية، ويعد أهم ورقة رابحة في الاستشراق اليهودي المعاصر لتجربته في استقطاب الإنجيليين. عمل لمدة عشر سنوات في الاستشارات الإعلامية والسياسية لعدد من كبار الشخصيات الأمريكية والإسرائيلية، فاكتسب خبرة عميقة، واطلع على مخططات أعمق، كشف عن بعضها في كتبه ورواياته قبيل حدوثها، وزاده اطلاعه على بواطن الأمور حماسًا واندفاعًا في تفسير الواقع من خلال النبوءات التوراتية… ”

ويبدو أن توصل المحققين الأتراك إلى كشف خيوط الجريمة التي تم التخطيط لها في الرياض، قد أصاب السلطات السعودية بالتخبط وفقدان التوازن، ولذلك قالت مجلة “ذي نيويوركر” الأمريكية إن محمد بن سلمان، وبأمره قتل خاشقجي بطريقة مروّعة راهن على أن العالم لن يسأل عن الصحفي المقتول، ولكنه أخطأ بشكل مدهش.

وكانت الخطة المعدة لتصفية الصحفي “المزعج” للنظام السعودي جمال خاشقجي هي قتله والتخلص من جثته ثم رمي الكرة في الملعب التركي عبر الإصرار على خروجه من المقر واتهامها بالمسؤولية عن اختفائه . وتم الاعتماد في تنفيذ هذه الخطة على فريق قتل محترف ضم صلاح محمد علي الطبيقي: طبيب التشريح، الذي قام ـ حسب المحققين الأتراك ـ بمساعدة عناصر من الاستخبارات السعودية بتقطيع الجثة وتذويبها، ثم دعم بإرسال وفد لطمس معالم الجريمة وإخفاء الأدلة بالقنصلية ومنزل القنصل يتكون من أحمد عبد العزيز الجنوبي الخبير الكيميائي، وخالد يحيى الزهراني وخبير علم السموم، كما كان من بين الـ 15 شخصاً المشتبه فيهم بتنفيذ جريمة الاغتيال، شبيه بالمغدور جمال خاشقجي، يدعى مصطفى محمد المدني ارتدى ثياب خاشقجي وخرج من باب القنصلية الخلفي يوم 2 أكتوبر 2018 من أجل التمويه، وإقناع الناس بأنه خاشقجي خرج فعلاً من القنصلية بعد إتمام تعامله الإداري في القنصلية، غير أن صورة الجريمة اكتملت أخيرا أمام الرأي العام بتصريح مكتب المدعي العام الترك أن “القتلة تعاملوا مع جثة  خاشقجي وأذابوها بالأحماض داخل إحدى غرف منزل القنصل السعودي”.

حقا إن جريمة بمثل هذه الوحشية الخارجة عن أحكام الشرعية والقيم الإنسانية، هي وصمة لا يغسل دنسها البحر، ولا ينسي عارها الدهر، لقد استنكرها كل من سمع عنها من مؤمن وكافر، وبر وفاجر. وقد تساءلت خديجة جنكيز، خطيبة جمال خاشقجي، عمّن أصدر أمراً بقتل خطيبها، قائلة:”هل هم من البشر؟”.

وبقيت أمنية أولاد خاشقجي صلاح، وعبد الله في مقابلة لهما مع شبكة ” CNN” الأمريكية، باسترجاع جثة والدهم الفقيد وأداء الصلاة عليها حسب الشريعة الإسلامية ودفنها في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة تنفيذا لوصيته، مجرد جرح نازف، ومصيبة حارقة. ولعل قول الشاعر ينطبق على مأساة الصحفي المرحوم جمال خاشقجي:

قتلوك ظلما واعتدوا     ** في فعلهم حد الوجوب

إن لم يكن لك سيدي      **    قبر فقبرك في القلوب

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل أصبحت أمريكا معرضة للبيع؟ !/عبد الحميد عبدوس

لا شيء استطاع أن ينافس كذب الروايات السعودية وتناقضاتها بشأن مقتل الصحفي جمال خاشقجي سوى …