الرئيسية | حديث في السياسة | لسنا بخير../ التهامي مجوري

لسنا بخير../ التهامي مجوري

هكذا قالها الإعلامي القدير الأستاذ سعد بوعقبة: “لسنا بخير” في ملتقى ذكرى الشيخين محمد بوسليماني ومحفوظ نحناح يوم السبت الماضي، ردا على كلمة للإعلامي اللبناني سامي كليب، الذي عاب على الجزائريين كفرهم النعمة التي ينعمون بها والخير الذي يتمتعون به.ـ، فقال له سعد: إذا كنت تريد قياسنا بما عندكم في المشرق ربما..، أما واقع الحال لسنا بخير.

وحُقَّ للأستاذ سعد أن يقول ذلك..؛ لأننا لسنا بخير حقا، إذ الخيرية في المجتمعات لا تقاس بقول زيد أو عمرو، وإنما تقاس بمستوى ارتباطها برصيدها الاجتماعي والسياسي والتاريخي، وتقاس بمستوى استثمار ثرواتها المادية والمعنوية، وتقاس بمدى استغلال الفرص المتاحة، وتقاس بمستوى النجاحات التي حققتها المجتمعات المماثلة، وتقاس بمستوى طبقتها السياسية في التفاعل مع الواقع، وتقاس بمدى قوة برامجها السياسية سلطة ومعارضة.

إن مستوى الرصيد الاجتماعي والسياسي والتاريخي الذي حرر الجزائر من ربقة الاستدمار الفرنسي، لا تزال بقايا منه في الضمير الشعبي، ولكنه وجود غير مستثمر رغم أننا ليس من حقنا أن نتأخر عن ذلك المستوى، الذي أشعل ثورة فريدة من نوعها في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا يزال ذلك المستوى مثالا يحتذى إلى اليوم، ويتحد الناس عنه كمعجزة تحققت في منتصف القرن.

ونموذجية الثورة الجزائرية ليس في مجرد خوض المعركة بمواجهة أعتى قوة في العالم في ذلك التاريخ، وإنما في المستوى السياسي والاجتماعي الذي واجه به المجتمع الاستدمار رغم فقره وجهله وقلة نصيره.

والغفلة عن هذه الفضيلة المميزة لحركة المجتمع وقدراته، جعلت منا مجتمعا فاقدا للفاعلية التي كان يمتلكها، فلم يعد الجزائري قادرا على استثمار ثرواته المادية والمعنوية وعاجزا عن التفاعل الإيجابي في جميع المجالات.

فبلادنا من الدول الغنية ولكننا فقراء.. والشباب في بلادنا قوة وطاقة متدفقة، ولكنه رحل إلى حيث يفجر طاقاته الكامنة، أما ثرواتنا المادية فضياعها بين أيدينا مشاهد وملموس في جميع المستويات، بحيث لم نعرف منها إلى الآن إلا البترول والغاز، رغم أن ثرواتنا الكامنة لا تحصى؛ بل لو وجدت الفاعلية المطلوبة لاستغنينا عن البترول وفعلنا كما تفعل القوى الدولية العظمى، فنترك البترول والغاز في مكانه مخزونا ولا نقترب منه إلا للحاجة الملحة..ولكن قومي لا يريدون.

أما الفرص التي كانت للجزائر منذ الاستقلال، لاستكمال ما بقي من الاستقلال على المستوى الثقافي والسياسي فلا تكاد تحصى، ابتداء من فرصة بداية سنة 1962، التي حولناها إلى معارك بين العصب والنخب، فتحول الاستقلال إلى وليمة نغني فيها “يا محمد مبروك عليك”، وتغافلنا عن أن الاستدمار الذي استباح دماءنا وممتلكاتنا وأعراضنا، لا يرحل بسهولة وإن أبدى استعداده لذلك..وما يقال عن غفلة بداية البناء الوطني سنة 1962، يقال عن الفرص اللاحقة، فرصة تغير النظام التي كانت مفترضة سنة 1978/1979، قد أجلت 10 سنوات ولم تلد إلا في سنة 1988، ولكنها بمجرد أن ولدت تحولت إلا حمام من الدماء، فعادت من جديد صائفة 62 وكررت نفسها في سنة 92، ولكن مع تغيير “أبطال المعركة”، فتحولت من معارك بين فرقاء السلطة العسكريين فيما يعرف بحرب الولايات، إلى معركة وقتال بين الفرقاء السياسيين، وكل من دونهم ضحايا بما في ذلك القوى العسكرية الأمنية. وأخيرا فرصة 1999، التي كان من المفروض أنها تنهي الأزمة بما كانت تحمله الساحة السياسية من استعدادات –سلطة ومعارضة وقوى شعبية-، ولكن لما كانت حياتنا السياسية غير مؤهلة لاغتنام الفرص “عادت حليمة إلى عادتها القديمة”، وها نحن اليوم لا تفصلنا عن الرئاسيات أشهر قليلة، ومع ذلك لا يلمس المرء شيئا يوحي بذلك، وكأن الطبقة السياسية تنتظر الضوء الأخضر من جهة ما..

في سنة 98 عندما أعلن الرئيس زروال عن الرئاسيات المسبقة، انطلقت مباشرة حملت الترشيحات من لجان مساندة، وأسماء أفرزتها الساحة، وأسماء خرجت من الظل. وامتدت سبعة شهور، ابتداء من سبتمبر 1998 إلى غاية مارس 1999، أنسانا الحراك يومها كل مآسي الأزمة، وكادت الجزائر الجديدة أن تولد، ولكن…

أبعد كل هذا تريدوننا أن نكون بخير؟ بكل أسف لسنا بخير، ومن يقول أننا بخير ليس بخير..

ومن آيات الخيرية في المجتمع أيضا، أن المجتمع يقاس بمستوى النجاحات التي تحققها المجتمعات المماثلة، وتقاس طبقته السياسية في التفاعل مع الواقع في ذلك، وتقاس بمدى قوة برامجها السياسية سلطة ومعارضة.

قولوا لي بربكم هل يقاس مستوى الجزائر بما وصلت إليه ماليزيا وتركيا وإيران مثلا؟ هذه الدول الثلاث –والذي يهمني هنا هو التجربة الوطنية فقط- نلتقي معها في الكثير من الأمور المماثلة، في الثروات الطبيعية والبشرية، وتماثل التحديات، وكذلك في تفاعل الطبقة السياسية مع الواقع والبرامج السياسية كيف نقيس أنفسنا بالمغرب وتونس؟

صحيح نحن أفضل من ليبيا واليمن وسوريا كما أراد أن يبلغنا الإعلامي اللبناني سامي كليب…ولكننا لسنا أفضل حالا من المغرب وتونس وماليزيا وتركيا وإيران؛ لأن الذين يحترمون أنفسهم يقيسون أنفسهم بالأقوى وليس بالأضعف.

هل نحن بخير؟  كلا لسنا بخير.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الأزمة وانتقام “الفاعلية المضادة”/ التهامي مجوري

تجربتي في الحقل الدعوي والإعلامي ومتابعة الشأن السياسي، التي لا تقل عن أربعين سنة، كشفت …