الرئيسية | اتجاهات | استشهاد “خاشقجي” يكشف المستور !/ محمد الحسن أكيلال

استشهاد “خاشقجي” يكشف المستور !/ محمد الحسن أكيلال

 

ارتباك “ترمب” ينطقه

جريمة اغتيال “جمال خاشقجي” لم تمر مر الكرام…لقد أثارت زوابع بل أعاصير في الرأي العام الأمريكي والعالمي، فبشاعتها لم تشهد البشرية لها مثيلا إلاّ في كتب التاريخ التي سجلت أحداث القرون الوسطى وما قبلها، فقتل إنسان أعزل بريء من كل التهم إلاّ إبداء رأي موضوعي جدًّا حول نظام حكم دولته ووطنه وإبداء النصح الصادق والنزيه لحاكمه وملكه، هذه هي التهمة التي بسببها قتل “جمال خاشقجي” وقطع إلى خمسة عشر قطعة في ظرف ربع ساعة من الزمن فقط.

السيد “ترمب” الذي راهن منذ ترشحه للانتخابات الرئاسية على الشعبوية في تعبئة وتجنيد الأغلبية من المجتمع الأمريكي المؤطر والمدعم من طرف اليمين الصهيوني المتشدد والمساند بقوة لدولة الكيان الصهيوني في فلسطين، عمل منذ الوهلة الأولى على استمالة الأنظمة العربية الغنية التي لمس فيها استعدادًا للتقارب مع الدولة العبرية لعداوتها البنيوية والاستراتيجية للدولة الإسلامية في طهران، وقد نجح فعلا في كسب ودها وصداقتها لدرجة الاحتفال به وبفوزه في هذه الانتخابات باستقبال شعبي كبير وبمؤتمر لدول عربية وإسلامية دعتها للتحالف معها، ولم تكتف بهذا المهرجان الدولي، بل كرمته بالوعد بصفقة استثمارات قيمتها 450 مليار دولار من ضمنها صفقة شراء أسلحة بقيمة 110 مليار دولار؛ لقد وضعت المملكة العربية السعودية نفسها بهذه الصفقة موضع الاستمالة للابتزاز مقابل دعم شاب متهور عديم التجربة لولاية العهد بدل ابن عمه “محمد بن نايف” ووعده بخلافة والده على العرش.

لقد اطمأن كل طرف للآخر في تبادل المنافع بما في ذلك الشخصية منها، وازداد منسوب الطموح لدى الشاب المغرور لدرجة الاستهانة بكل أفراد العائلة وأعرافها وتقاليدها العريقة إلى درجة شعوره بأنه الحاكم الوحيد الأوحد والمطلق، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (غفرانك يا رب).

توطدت العلاقات بين ولي العهد الشاب وصهر الرئيس الشاب “كوشنر” الأكثر صهيونية من كل صهاينة العالم إلى درجة شعوره بأن لا أحد فوق الأرض يمكن أن يوقفه عند حده في كل ما يقول ويفعل؛ وبالمقابل اعتقد “كوشنر” مستشار صهره ورئيسه أنه بالإمكان تمرير صفقة القرن رغم أنف كل الفلسطينيين والعرب ما دامت المملكة العربية السعودية مستعدة للترويج لها وإقناع كل العرب بها.

قام ولي العهد باقتراف جرائم عديدة متتالية بدأها بالحرب الإبادية ضد الشعب اليمني الشقيق واختطاف رئيس الحكومة اللبنانية لإجباره على الاستقالة ثم سجن كل الأمراء وأجبرهم على التنازل على أجزاء من ثرواتهم وأموالهم، ثم انتقل إلى قمع وسجن كل العلماء وأصحاب الرأي والمدافعين عن الحقوق والحريات الفردية والجماعية التي كانت في مستوى المسموح به في النظام السابق، ولما لم يجد أمامه رادعًا أو حتى منتقدًا له في العالم العربي وعلى رأسه الولايات المتحدة التي يترأسها حاميه وراعيه “دونالد ترمب” بوساطة صهره “كوشنر” وصديقه “نتانياهو” انتقل إلى ما هو أفظع، لقد انتقل إلى التسديد على أهم كاتب صحفي سعودي انتقل إلى العيش في واشنطن ويكتب في أرقى وأكثر الصحف الأمريكية تأثيرا في الرأي العام وانتشارًا في أمريكا والغرب، بل والعالم، إنها صحيفة “واشنطن بوست”.

لابد من القضاء على “جمال خاشقجي” للتخلص من إزعاجه المتكرر بمقالاته على صفحات “واشنطن بوست” أو تصريحاته أو حواراته في القنوات الفضائية الغربية والعربية.

لا يمكن الحكم على “محمد بن سلمان” بأنه غبي ومتهور وفقط، فهو في الحقيقة فكر ثم فكر فقدر واستشار أقرب أصدقائه الأمريكيين الصهاينة، لقد استشار “كوشنر” الذي لا يرفض له صهره طلبا، وبعد ذلك اختار البلاد التي يقتل فيها والفريق الذي يقوم بالمهمة أحسن قيام.

الرجل اختار تركيا ربما انتقاما منها لكونها يترأسها “رجب طيب أردوغان” وهو من الإخوان المسلمين، وقد بدأ نوع من الشنآن يظهر في المدة الأخيرة التي سبقت اغتيال “جمال خاشقجي” بين الدولة التركية والسعودية، ومع ذلك لم ينس أن يحسب لذلك حسابا دقيقا، فالاغتيال يجب أن يكون في تركيا ولكن داخل أرض سعودية طبقا للقوانين وللمواثيق الدولية، لذلك اختار القنصلية ولإخفاء كل آثار الجريمة اهتدى إلى حيلة أفظع من الجريمة نفسها، قيام الــ 15 ضابطا أمنيا المكلفين بالمهمة بتقطيع جسد “جمال” إلى 15 قطعة يقوم كل واحد من المجموعة بأخذ حصته منها في حقيبته وقيامه بإخفائها ودفنها حيث يريد.

المبرر الذي دفعه للتخلص من “جمال” هو تصريحاته المناوئة لدولة إسرائيل وفي ذلك إرضاء لها ولـــ “كوشنر” ولكل اللوبي الصهيوني في أمريكا، وبذلك يتفادى العواقب الوخيمة التي يمكن أن يتعرض لها.

الأقدار جمعت ثلاثة رجال مشهورين يقررون أن يفعلوا في العالم وبالعالم ما يشاؤون، “نتانياهو” رئيس حكومة تل أبيب، و”ترمب” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، و”محمد بن سلمان” ولي عهد أبيه “سلمان بن عبد العزيز آل سعود”.

“نتانياهو” بالتآمر مع “كوشنر” ألف صفقة العصر، و”ترمب” قرر تنفيذها والترويج لها، و”محمد بن سلمان” تولى ما يجب مع أشقائه العرب لإنجاح العملية؛ لكن جريمة الاغتيال أحدثت سخطًا جامحًا في أمريكا وفي كل بلدان الغرب الذي يدعي حماية حقوق الإنسان والحريات فالديمقراطية كإيديولوجيا تمثل حجر الزاوية في كل مرافعات أمريكا وحلفائها، والسكوت على جريمة كجريمة اغتيال “خاشقجي” لفضح كل أساليبهم وممارساتهم لاستغفال شعوب العالم.

في أمريكا الرئيس “ترمب” الذي يراهن شعبويته في الفوز في الانتخابات القادمة لضمان عهدة ثانية أصبح يواجه كل النخبة الأمريكية بما في ذلك أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الجمهوريين، فكيف بالحزب الديمقراطي وكل نخبه التي لها وزنها في التأثير في مجريات الأحداث.

الرئيس “ترمب” وقع في ارتباك جعله يكشف في إحدى تصريحاته للدفاع عن علاقته بآل سعود والسعودية أنها هي التي تقف إلى جانبه لدعم إسرائيل حتى ماليا.

هكذا كانت عملية استشهاد “جمال خاشقجي” سببا لكشف جرائم العرب في حق الشعب الفلسطيني.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أدعياء السنة دعاة الصهيونية صراحة “ترمب” تعري المملكة / محمد الحسن أكيلال

  رحم الله الكاتب الصحفي الكبير “محمد حسن هيكل” وأسكنه فسيح جنانه، لقد أطال الله …