الرئيسية | أقلام القراء | ابن باديس من دعاة الثورة والوطنية وتلامذته من كبار الثوار/ عبد المالك حداد

ابن باديس من دعاة الثورة والوطنية وتلامذته من كبار الثوار/ عبد المالك حداد

كان مفاجئا ربما أن يصف تقرير استخباراتي من الأرشيف الفرنسي الشيخ عبد الحميد بن باديس كواحد من دعاة التمرد والوطنية الجزائرية، وأن تأثيره الحقيقي يظهر بوضوح في عقيدة جبهة التحرير الوطني، ونتائج تعليمه وعقيدته: شكل غالبية تلامذته كبار المتمردين، الذين يشنون ضدنا “الحرب المقدسة” باسم استقلال الجزائر حسب زعمهم. لكن العجب يزول حين نرى الصورة كاملة: ألم يكن ابن باديس واثنان أو ثلاثة من طرازه أول من نطق بكلمات الوطنية والإسلام وتاريخه والحرية والاستقلال، بعد أن كانت هذه الكلمات محرمة تحت رهبة الاحتلال، ولكن ابن باديس كان يقولها لتلامذته في حلق الدرس ليطبعهم عليها، ورسخها في عقول الأمة عن طريق دروسه العامة وصحفه وحركة الإصلاح صحبة إخوانه في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولذلك ارتاع له الاستعمار!

فمنذ بروز نجمه في عشرينيات القرن الماضي، لم يكن الاستعمار الفرنسي غافلا عن عمل ابن باديس، ولا جاهلا بآثاره، وهو ما تبينه تقارير صنفت أغلبها في خانة «سري» صادرة عن الدائرة المركزية للاستعلامات العامة، والشرطة الخاصة لعمالة قسنطينة، والإقامة العامة بتونس والمغرب، تستعرض تفاصيل كثيرة عن الشيخ ابن باديس، الذي كان تحت الرقابة وتتبع المخبرين منذ سنة 1921، حيث رصدوا تحركاته في قسنطينة، وزياراته في الجزائر وفي تونس، ونقلوا أخبار نشاطاته واجتماعاته بدقة وتفصيل، ومتابعة دقيقة لبريده وكتاباته وخطاباته واتصالاته ومضامين كل ذلك، بل حتى علاقاته الأسرية خاصة بوالده. كما سلطت بعض التقارير الضوء على مرضه المفاجئ ووفاته في 16 أبريل 1940، وصدى الفاجعة في قسنطينة وأرجاء الوطن، وفي تونس والمغرب، وذكرت أعماله وآثاره في الأمة، ولعل أهمها ما جاء في تقرير محافظ الشرطة ج. ﭬودفرين المؤرخ في 24 جانفي 1958 والذي جاء استكمالا لملف ابن باديس وتقرير الدائرة المركزية للاستعلامات العامة حول جمعية العلماء المؤرخ في 26 أكتوبر 1955، علاقة ابن باديس بالثورة رغم وفاته قبل اندلاعها في الفاتح نوفمبر 1954 بأربعة عشر عاماً.

إن ما خلص إليه التقرير الذي سنعرضه، يؤكد الحقائق التاريخية المدونة والتي يشهد بها من عاصره من رفقائه في النشاط الإصلاحي ومن تلامذته عن عزمه على الثورة التي تحقق استقلال الجزائر وحريتها وانضمامها إلى ركب الشعوب المتحررة.

التقرير:

قسنطينة                                        قسنطينة، في 24 جانفي 1958

ش إ ع CC/BR

رقم: 1.070 RCC/MR. A

محافظ الشرطة ج. ﭬودفرين

إلى السيد قائد الشرطة، رئيس دائرة الاستعلامات العامة قسنطينة

الموضوع: مذكرة وافية تتضمن السيرة الذاتية للشّيخ ابن باديس عبد الحميد.

المرفقات: جدول شجرة عائلة ابن باديس.

يشرفني أن أبعث إليكم مذكرة بالسيرة الذاتية المختصرة لابن باديس عبد الحميد، الرئيس السابق لجمعية علماء الجزائر.

هذا العمل موجه لاستكمال ملف المعني وتقرير الدائرة المركزية للاستعلامات العامة حول جمعية العلماء، رقم6642 SNA/RC.3 المؤرخ في 26 أكتوبر 1955.

لا يمكن في الواقع، في رأيي، فصل تاريخ الحركة الإصلاحية للعلماء، عن الحياة والمسيرة الدينية والسياسية للشّيخ عبد الحميد بن باديس، والذي في ضوء الأحداث الأخيرة الواردة في التقرير المذكور آنفا، يظهر كواحد من دعاة التمرد والوطنية الجزائرية.

ج. ﭬودفرين

السيرة الذاتية لابن باديس عبد الحميد

ولد السيد ابن باديس عبد الحميد في 1889.12.07 بقسنطينة، وهو الابن البكر للباشا آغا مُحَمَّد المصطفى وابن جلول زهيرة. ينتمي إلى عائلة لديها مشاعر مؤيدة لفرنسا، وقد تأكد ذلك في عدة مناسبات.

بعد تعلميه الابتدائي في قسنطينة، أرسله والده إلى تونس حيث تابع لبضع سنوات الدراسة في الزّيتونة. وفي تلك الفترة خالط جماعات من الوطنيين التونسيين، وعلى وجه الخصوص الثعالبي عبد العزيز.

في سنة 1915 عاد إلى قسنطينة ليفتح بموافقة الإدارة مدرسة قرآنية في مسجد (رسمي) سيدي لخضر. وسرعان ما برز بحماسته الدّينية وعصبيته.

في أكتوبر 1921، فتح دروسا للعامة في قاعة مسجد شارع خط 23، الذي يمتلكه والده.

في تلك الفترة، كان يقتصر على الميدان الدّيني وامتنع عن السياسة؛ ولكنه قاد حملة شديدة ضد الطرقية والخرافات الناجمة عنها، واصطدمَ أساسا بصلابة المواقف، مما جلب له عداوات خطيرة.

في ماي 1931، انتخب رئيسا لجمعية العلماء الجزائر، جمعية أسسها إسماعيل عمر -تاجر غني قبائلي- بناءا على مبادرة من توفيق المدني وهو المتحدث باسم “المكتب العربي” في دمشق.

تحت تأثير توفيق المدني، وابن باديس عبد الحميد وبعض المتعصبين الآخرين مثل محمد البشير الإبراهيمي، جدري العربي التبسي، الطيب العقبي، مبارك الميلي، خير الدِّين مُحَمَّد، ستفلت الحركة قريبا من مؤسسها إسماعيل عمر، الذي أسس سنة 1933 حركة موازية باسم “علماء السنة” للتميز عن “العلماء الإصلاحيين” لابن باديس.

في الوقت نفسه، أصبح نشاط ابن باديس أكثر عدائية وفي أسبوعيته “الشهاب” بدأ ينتقد بشدة الإدارة الفرنسية، واختلف مع والده، الذي قطع عليه خلال بضعة أشهر المؤن ومنعه من استخدام مسجد العائلة لإعطاء دروسه.

لذا تحالف الشّيخ عبد الحميد مع صايغي مُحَمَّد الشريف، معلم في المؤسسة الحرة المسماة “جمعية التربية والتعليم الإسلامية”، وبفضل التبرعات وجمع الأموال، استأجر مبنى بنهج فورسيولي حيث نقل “دار الطلبة المسلمين”.

أدى تصالحه مع والده، إلى مواصلته إعطاء الدروس بخط 23 والمسجد الرسمي سيدي لخضر.

عقيدته الدينية تتضح وتتغير إلى الالتزام المتشدد والتعصب، تأخذه في نفس الوقت للمطالبة بإلغاء نظام أملاك الحبوس والتشريع القانوني للإسلام في الجزائر.

ورغم كونه يستخدم دائما المسجد الرسمي سيدي لخضر في قسنطينة، فإنه يحتج ضد “القيود” التي فرضها الحاكم الفرنسي على تعليم اللغة العربية والدّين الإسلامي.

وأصبح متعصبا حتى أن الدكتور ابن جلول -قريبه- انتقد تعنته وتخاصم في نهاية المطاف معه.

سنة 1936 شارك ببراعة في “المؤتمر الإسلامي” في الجزائر، وكان عضوا في الوفد المكلف بالتنقل إلى الحاكم الفرنسي لتقديم مطالب الجزائريين.

في نفس الوقت، اقترب من أوساط الشيوعيين ومثقفي اليسار، وانخرط في “الجمعية العالمية للكتاب من أجل الدفاع عن الثقافة” تضم: أراغون، ج.ف.بولوك، هبرو، لوك دورتان، …إلخ.

سنة 1937 تعرف بالسيد فيوليت، عضو مجلس الشيوخ، وساند بقوة مشروع قانون بلوم/فيوليت.

يسافر كثيرا ونشاهده بداية من سنة 1938 يتنقل باستمرار إلى الجزائر -أين يترأس كل أسبوع تقريبا اجتماع مكتب العلماء- وإلى تونس حيث يزورها تقريبا كل شهر، في غضون ذلك يجوب عمالة قسنطينة لزرع بذور التعصب الديني والعرقي.

في جانفي 1938، هاجم بشدة في جريدة “البصائر” المتجنسين، ووصفهم بالكفار، المرتدين.

في أفريل 1938، نشر في مجلة “الشهاب” المقال الشهير الذي يمجد “الوطن الجزائري” ويعلن “… هذه الأمّة الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت..”.

بصفته كاتبا وشخصية دينية، هو على اتصال مع جميع العناصر المناهضة لفرنسا من الشرق الأوسط، من شمال إفريقيا، من أمريكا ومن أوروبا، وهو يحافظ على اتصال دائم بأصدقائه وتلامذته، ومع المكتب العربي بدمشق. طموحاته السياسية تتنامى وتزداد ويحلم بـ “إعادة الشعب المسلم تحت حكم النخبة الدّينية، والقدرة على قيادتهم أيضا نحو مصير جديد” (حسن) في إطار “أمة عربية” تجمع جميع المسلمين من شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

منذ بداية سنة 1939، استشعر الانشقاقات في المنظمات السياسية الأوروبية، وبات يعتقد أنه حان وقت الوطنية، وألقى قناع المعتقد الديني.

يبدأ في نشاط مكثف، باستمرار يتنقل بين الجزائر، قسنطينة وتونس، وتصالح مع الدكتور ابن جلول، ولكن بقيت علاقته “باردة” بفرحات عباس، الذي احتج لديه ضد نشاط محمد البشير الإبراهيمي في سطيف، ومحاربته الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري.

عندما نشبت الحرب صرح: “هذه الحرب لا تعني المسلمين، وليس عليهم أن يكونوا طرفا مشاركا”.

في ربيع 1940 بدأ يشعر بالأعراض الأولى للمرض، وتباطأ نشاطه. توفي يوم 16 أفريل 1940.

لقد ترك سمعة فكان رجلا عظيم الذكاء، أديبا في اللغة العربية، وضليعا في تفسير النصوص المقدسة للإسلام. كان يمتلك مكتبة مذهلة بعدد الكتب وقيمة المخطوطات القديمة.

كان سلوكه العام والخاص دائما يتسم بالحكمة والكرامة والنزاهة، ولم يكن أبدا مثارا للشك، على الرغم من أنه كانت لديه أو تحت تصرفه مبالغ كبيرة آتية من الموارد المالية للجمعية.

امتلك مقدرة المتيقن في الجدل وقوة كبيرة في الإقناع، ونزاهته الفكرية لم تمنع ارتفاع مستوى مبادئه الأخلاقية، وتدريسه وعقيدته استندَتَا على بعض الافتراضات المسلمة والبسيطة، بغض النظر عن الأدلة الأشد وضوحا، ولا مقتضيات السياسة أو الإدارة التي ثار على ضوئها.

ابن باديس، من خلال عمله، وعقيدته بنزعة التعصب الديني والعرقي، ونشاطه السياسي ما بين 1936 و1940، أوجب اعتباره من أكبر “دعاة” الحركة الوطنية الجزائرية.

فهو الذي كون جيلا بأكمله من “العلماء”، كلهم متعصبون الواحد أكثر من الآخر، زمرة منعزلة وإضافة إلى ذلك أساسا جاهلة بالغرب والتطور الاجتماعي.

وكما أظهر حسن (زناتي رابح) وبحق في تنبؤات كتابه “كيف تموت الجزائر الفرنسية” المنشور في ماي 1938، أنهم لم يروا في تجديدهم المزعوم للثقافة الإسلامية والدّين إلا وسيلة ملائمة لإبقاء الشعب العربي في الظلامية الدّينية، ولضمان ذلك سيطرت طائفة خاصة من المتعصبين على الشعوب المتخلفة.

الإصلاح الوهابي الجديد والذي يدعو إليه ابن باديس، هو مذهب التخلف الاجتماعي: حقيقة أن جبهة التحرير الوطني قد اعتمدته، على الرغم من أنه يبدو أسلوبا ديماغوجيا اقتبس من الماركسية، ويظهر بوضوح إلى أي حد كان التأثير الحقيقي للشّيخ ابن باديس، ونتائج تعليمه وعقيدته: شكل غالبية تلامذته كبار المتمردين، الذين يشنون ضدنا “الحرب المقدسة” باسم استقلال الجزائر حسب زعمهم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نقولا زيادة في مرآة شيخ الـمؤرخين الـجزائريين/ الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفلاقــــة

يؤكد الدكتور سليمان إبراهيم العسكري على ضرورة معاودة قراءة كتب العلاّمة نقولا زيادة الرحالة في …