الرئيسية | في رحاب الشريعة | الإحصاء والإعداد وحقائق التخطيط في علم الاقتصاد/ محمد مكركب

الإحصاء والإعداد وحقائق التخطيط في علم الاقتصاد/ محمد مكركب

 

إعداد الخريطة البيانية لمتطلبات الحياة الإنسانية الاقتصادية، تقتضي ركنين أساسيين هما: الإحصاءُ والإعدادُ، وفق علم الاقتصاد، وهما أي: الإحصاء والإعداد من الحقائق الضرورية في التخطيط الناجح للنهضة الحضارية الحقة. غير أن الإحصاء والإعداد في البلدان المتخلفة حاضران بالكلام عن أحلام في الأذهان، وغائبان في الميدان: وإذن فغاية البحث منهجية الإعداد العلمي، ضمن الحقائق الضرورية، ومنها: الإحصاء الشامل، والإعداد الكامل، ورسم الأهداف المستقبلية الاقتصادية والاجتماعية، وإعداد الخريطة البيانية العلمية التفصيلية.

والتذكير بهذه الحقائق البديهية في فنون العمران إنما دعت إليه حاجة التنبيه، لما يشاهد من غياب التدبير، وخلل في بوصلة التسيير، لانعدام الرؤية المستقبلية التي بينا أهميتها في مقالات سابقة، مازال العالم العربي في غير الاتجاه الصحيح، وكلامنا هنا فقط عن السياسة الاقتصادية، عن الأموال التي تصرف بالقناطير المقنطرة، ولا يزال العجز الاقتصادي هو العجز، فتبين أن الخلل  تقصير في التخطيط، وإهمال بلغ المحال بين الإفراط في التشطيط، والغفوة والتفريط.

 أولا: الإحصاء العلمي العملي الشامل: الذي على أساسه يُعْرَف النقص، أو الخلل، وكلُّ نقطة مدنية في الوطن من منشآت وثروات ومشاريع ومؤسسات ومدن وأحياء وحارات. بالأرقام الحقيقية عددا وشكلا ومكانا وحالة، وتوزيع السكان ونسبة الانتشار والتنقل والهجرات الداخلية وتصنيف المراتب والمستويات المعيشية لكل الأفراد على الإطلاق. إحصاء العدد الحقيقي  للشباب العاطل بلا عمل، العدد الحقيقي لكل متزوج لا يملك مسكنا خاصا به ليجد لنفسه مسكنه. ثم الإحصاء الرسمي الحقيقي لكل هكتار فلاحي وأن يظل للفلاحة، والنسبة الحقيقية لما هو مستثمر، ولما هو مهمل، العدد المضبوط لكل فرد لم يتلق تعليما، والذي لا يزال أميا. وإعداد الخرائط البيانية التوضيحية لكل المؤسسات ومصالح الخدمات المجتمعية، من مدارس ومتوسطات وثانويات، ومصحات ومستشفيات، وصيدليات وأطباء بتخصصاتهم، وخريطة شبكة الطرق (وما أدراكم ما أهمية شبكة الطرق!!) بتفصيل علمي عبر الوطن، وتبيان أنواعها وحالاتها، والغابات والحقول وغير ذلك من ممتلكات تستحق الاهتمام والإعداد في علم الاقتصاد. فيكون الإحصاء متاحا لكل رئيس بلدية، حيث يتاح له في أية ساعة أن يعلم من خلال الحاسوب عبر خرائط بيانية كل معطيات ومكونات وحاجات ومشاريع ومؤسسات بلديته بطرقها ومدارسها ومصانعها وبساتينها وكهربائها وأسواقها ومائها وليعلم منازل سكان بلديته بالخريطة منزلا منزلا، يراه عبر الخريطة، وهل يصله الماء والكهرباء وخطوط التواصل والطريق المعبد، أم لا؟ ويتفقده شهريا، ويرى كل مدرسة وأي مؤسسة وحالتها الحالية اليومية. وهذا بالإضافة إلى أن رئيس البلدية فرض عليه أن يتفقد كل جهة من محيط بلديته شهريا وكل المؤسسات والطرق، ويطلع ميدانيا على حالاتها ووظيفتها ومدى صلاحها، وأن يعلم ويلبي كل متطلبات المواطنين ليكون الإحصاء والإعداد متلازمان، ولا يكتفي رئيس البلدية ووالي الولاية بالمعلومات النظرية الخبرية التي تأتيه من معاونيه، وإنما الواجب عليه أن يتفقد الخريطة التفصيلية على أرض الميدان شهريا، ويُعِدُّ التقرير السنوي لبلديته أو ولايته، عن المنجزات التي تحققت فعلا، لأن كل رئيس بلدية مسئول عن إسكان كل متزوج، وإصلاح كل الطرق عبر بلديته، وكذا كل المرافق.

ثانيا: الإعداد الميداني الكامل: إن قوام الإعداد كما يظنه غير العلميين الذين يعملون بالترقيع ولا يعتمدون التخطيط العلمي، يظنون أنه يحتاج إلى أموال طائلة، وجلب عتاد كبير من الخارج، ويرصدون لمشروع جزئي صغير من الأموال ما تصلح لتطوير بلدا بأكمله، ثم يحدث خلل التقصير، وزلزال التبذير. إن الإعداد الميداني الكامل، قوامه أسباب أساسية:

1 ـ المشروع العلمي. وما معنى المشروع العلمي؟ أي الخطة المحكمة بقواعد علمية، بعد دراسة  ميدانية كاملة شاملة، موصوفة بحسبان، معدودة وفق المكان والزمان، مضمونة بالدليل والبرهان، بعد التوكل على الرحمن سبحانه، وأن يكون الحساب الهندسي، أو الاقتصادي، أو المالي، أو الإنجازي محسوبا بكل  المآلات، بحيث لا يتعطل المشروع ساعة. كأن يكون مشروع طريق، أو ميناء، أو مطار، أو مدينة جديدة.

2 ـ أن يكون المسير للمشروع خبيرا وضامنا لنجاح المشروع، ويسلم له التصرف الكامل في المال المخصص، والعتاد، وحرية الإعداد وفق المواصفات. وما على مؤسسة الإنفاق العمومية للدولة إلا المراقبة والمتابعة الأسبوعية، في كل ما يحتاج المراقبة تقنيا وماليا وزمانيا. 3 ـ أن تكون الخزينة العمومية للمال العام للدولة تحت إشراف مؤسسة خاصة تشرف على بيت مال المسلمين، ولها رئيس الخزينة، ولا يكون التصرف في المال العام إلا بإذن رئيس الخزينة وهو الذي يحاسب أمام الأمة، ولا يصرف المال إلا بمقابل قانوني شرعي نفعي منطقي يخدم الأمة بالدليل. ورئيس الخزينة يعد التقرير السنوي المالي. ومؤسسة بيت المال المستقلة هذه هي التي تُقَيِّمُ، وَتُقَوِّمُ المشاريع، وتحدد الميزانية العامة.

4 ـ أن يكون الإعداد بالوسائل الذاتية الوطنية ابتداء، إلا ما كان ضروريا في تكنولوجية معينة، وخاصة جدا واستثنائية.

5 ـ إشراك الشباب من المتخصصين كل في ميدانه.

6 ـ تسليم زمام التسيير للشباب الواعي من ذوي الطموحات والعزم ومن الذين جمعوا بين العلم والخبرة والإيمان وحب الوطن. وعندما قال الله تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فالله تعالى يعلم الإمكانات والأسباب والوسائل والمعايش التي أعطاها المسلمين، ومن ثم فهم قادرون على الإعداد الذاتي لكل ما يكفيهم ويحقق لهم القوة المدنية والعسكرية، ولا يحتاجون لغيرهم.{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾(الأعراف:10).

ثالثا: الإعداد المرحلي التدرجي: مهما كانت المشاريع والحاجيات وعظائم الأمور تتطلب الإعدادات والأموال، فإن المسلمين بإمكانهم القيام بها وإنجازها، إذا تسلحوا بالتخطيط العلمي المنهجي، لأن فشل المشاريع والمراوحة في مستنقعات التخلف سببه الفوضى والإهمال والتبذير والغش والخيانات. وإلا فالشعوب التي مازالت لم تصل إلى حد الاكتفاء الذاتي مائة بالمائة  أمامهم كل الفرص والأسباب والإمكانات التي يستطيعون بها بلوغ النهضة الاقتصادية المطلوبة، بإذن الله تعالى، إن الأذكياء الاقتصاديين الذين يعملون بالتخطيطات العلمية والمنهجيات الاقتصادية القصدية (من القصد حسن التصرف). قد يبنون مدينة لمليون نسمة، في سنتين ولا يستهلكون إلا نصف ما يستهلكه لنصف المشروع أولئك الذين يعملون بغير تخطيط، المخطط المنهجي العلمي يعمل (على سبيل المثال) بشاحنة كامل المشروع، وبعد انتهاء المشروع تبقى صالحة. والفوضوي يستهلك شاحنتين وربما أكثر في نفس المشروع ونفس المدة، كل ذلك لنقص العلم، والخبرة، ونقص الأمانة، والإخلاص للمهنة. شركة متقدمة إذا قامت ببناء مدينة تبدأ بالتخطيط لشبكة الطرق الأرضية النفقية، والطرق السطحية الانسيابية، والمؤسسات الخدماتية الرسمية في مواقعها لاستراتيجية، بحسابات كاملة الدقة والإحكام، من المدارس اللازمة في مواقعها، والمستشفيات، والأسواق العصرية اللائقة بالمتحضرين، والمساجد الكافية وفق الإحصاءات الرقمية. وغيرها من المرافق الضرورية. ويتم توصيل شبكة الاتصالات والمياه والكهرباء، وتخطيط الشوارع التي تسمى حقا شوارع، بهندستها وسعتها الكافية. وبعد كل هذا الإعداد يبدأ إنجاز الأحياء في المربعات التي تكون مهيأة وتامة التحضير، مربعا، مربعا، إلى أن يتم المشروع السكني، في الوقت.

رابعا: الإعداد المستقبلي المحكم: ونبدأ هذه الحقيقة المطلوبة بالتساؤل التالي: ما هي أسباب العجز والتأخر في المشاريع؟ فالفرد المسلم المخطط لا ينتظر حتى يصبح في حاجة إلى سكن فيبدأ في بناء السكن، وإنما يعد السكن مسبقا ليكون وقت الحاجة جاهزا فيستعمله. ولا يترك ثيابه حتى تتمزق على جلده وحينها يشرع في البحث عن ثوب؟ قال محاوري: هذا مقال أدبي، أم هو تقرير اقتصادي؟ قلت: لأن الموعظة العامة لا تدرك عند من لا يفرق، بين قوله تعالى:﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾(البقرة:41) وقوله تعالى:﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾(آل عمران:175) وقوله تعالى:﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:195) وكل هذه آيات تتحدث عن الاقتصاد، لكن الذين لا يتدبرون القرآن لا يعلمون كيف يعملون بهذه الآيات، لذلك لجأنا إلى التفصيل المبسط، فيما سميته أنت تقريرا اقتصاديا، وهو موعظة علمية قرآنية. والأمور الكبيرة تفهم بالأمور الصغيرة عند المفكرين الفقهاء، والمهندسين الصلحاء.

إذا كنا لا ندرك أدبيات الرافعي والإبراهيمي، فلعلنا نعمل بورقة عمل عبر هذه الوصايا، وإننا نقول هذا معذرة إلى ربنا سبحانه وتعالى ولعلنا نتقي الله في مال الأمة، ونتقي الله في الوطن، فإنني أشعر بالتقصير نحو وطني، وأتأكد بأنني مقصر حقا عندما نرى بلدانا تتقدم وتنهض وتسارع في الخيرات، ونحن لم نحقق اكتفاء ذاتيا، فعلينا أن نتناصح ونتعاون على البر والتقوى،.لا يدوم البترول كمورد مستقبلي ضامن لقوة اقتصادية، فالطاقة الشمسية قادمة، ومستقبل المولد الطاقوي الذاتي قادم، ومستقبل الأرض هو الأصل والأساس، وتبقى الكلمة دائما للعلم، والذكاء، والحكمة، والشورى، والتكامل.

هدف هذا المقال، أو التقرير الاقتصادي كما قال محاوري: أنه يجب علينا في جزائرنا أولا، وفي مغربنا ثانيا، أنه مثلما علينا أن نختار تفكيرنا من قيمنا، لضمان الحصانة الفكرية، علينا أن نعد نهضة اقتصادية لضمان حصانة استقلالنا السياسي، ومستقبلنا الذي يملي علينا مسئولية جسيمة نحو واجباتنا الوطنية، وما يسألنا عنه أولادنا، وقبل هذا سيسألنا ربنا عن مال الأمة أين أنفق وكيف أنفق؟﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾.﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …