الرئيسية | في رحاب السنة | تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية (12)/ خير الدين هني

تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية (12)/ خير الدين هني

فالحق سبحانه قدم لنا التبرير العقلي بعدم الاستجابة بإظهار المعجزات الحسية التي  طلبها مشركو قريش على يدي النبي صلى الله عليه وسلم، لأن غيرهم من مشركي الأمم التي سبقتهم، لم يؤمنوا بكبريات المعجزات التي أرسلت إليهم (فرعون وقوم صالح مثال) لذلك سوغ الحق سبحانه منع إرسال المعجزات مرة أخرى، مادامت عديمة النفع.

ومن تأويلاته غير المستساغة، جريا وراء آراء المستشرقين، أن ذهب إلى أن الحجارة من سجيل في حادثة الفيل، هي مرض الجدري لإبطال معنى المعجزة، وهذا قول معروف للمستشرقين في تفسيرهم للمعجزات الحسية، وقد أخذ المستشرقون آراءهم من ملاحدة الزندقة الذين ظهروا في العصر العباسي، من أمثال بشار بن برد، وابن المقفع، وابن الوراق، وابن الرواندي خاصة، صاحب كتابي(الزمردة والدامغ)، حيث جمع فيهما هذيانه من سقط الكلام ولغوه. وقد خرج عن القصد بإلحاده فأساء إلى القرآن الكريم والنبوة والمعجزات. وقد أشرنا إليه فيما تقدم.

وما جاء في كلام المستشرقين من تشويه وتزوير، يمثل صورة صادقة لما قاله المتشككة والملاحدة المجوس في العصر العباسي. وحتى لو كانت الحجارة من سجيل تحمل مكروب الجدري، فصورة الإعجاز فيه ليس هو مرض الجدري في حد ذاته، وهو من جنود الله، مثل العواصف والزلازل والكوارث الطبيعية، والطوفان والغرق والجراد والقمّل، وهي ظواهر طبيعة مدمرة من صنع الله سبحانه، أهلك بها المكابرين من المشركين في أزمنة متعاقبة، فالصورة الإعجازية في الحادثة هي خرق النظام بالفعل المقصود من الله سبحانه وتعالى، لغاية مقدرة وهي تدمير جيش أبرهة الذي أراد أن يغير طبيعة سنة الله في أحد أركان العبادة.

لأن المعتاد عند الناس – في السنن الكونية- ألا تتدخل الإرادة الإلهية في تغيير سنن الكون وقوانين سير الحياة. مثلما حدث مع الحجاج بن يوسف الثقفي، حين ضرب البيت بالمنجنيق في حربه مع عبد الله بن الزبير، إذ النية عند الحجاج لم تكن تدمير البيت وتغيير مناسك عبادة الحج، وإنما هو تكتيك حربي استخدمه ضد خصمه فقط. لذلك ترك الحق سبحانه قانون الحياة يسري على طبيعته.

كما أول محمد عبده النزول من الجنة، بأنه نزول معنوي من بستان في الأرض، وهذا التأويل مقبول من الناحية الشرعية والعقلية حيث لا يوجد نص صريح يناقضه، وقد استدل على ما ذهب إليه بالمعنى اللغوي لكلمة الجنة، إذ يدل معناها على الحديقة والبستان. وينبغي الإشارة إلى أن هذا التأويل الذي ذهب إليه محمد عبده ليس من ابتكاره واجتهاده، وإنما هو من جملة آراء واجتهادات سبقه إليها المتكلمون في بعضها والمستشرقون في بعضها الآخر، والنزول المعنوي من جنة في الأرض، هو أقرب إلى البدهيات العقلية في تقديرنا، من غيره من التفسيرات التي تذهب إلى أن  النزول، كان  من الجنة الموعودة في دار الخلود.

أما رشيد رضا ومصطفى المراغي شيخ الأزهر، فيؤكدان أن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم. وهذا ما ذهب إليه الشيخ محمد الغزالي، ويستشهدان بسورة الإسراء (أنظر كتاب الوحي المحمدي لرشيد رضا، ومقدمة المراغي في كتاب حياة محمد لهيكل). وهو ما ذهب إليه الشيخ الخضري، بأن الإسراء والمعراج كان بالروح فقط، والخلاصة أن أصحاب المدرسة الإصلاحية أو العقلية، تأثر بعضهم بعض، وفيهم المعممون وشيوخ الأزهر، كالخضري والمراغي وشلتوت وغيرهم.

وأما محمد حسين هيكل، في كتابه (حياة محمد)، فهو يمثل النزعة العقلية في كل تجلياتها، لأنه صرح بوضوح في مقدمة كتابه، أنه اعتمد الدراسة العلمية متبعا مناهج الغرب في كتابة السيرة. ممن يفسرون السيرة على أسس مادية بحتة (نفعية) مع التركيز على الجانب الإنساني، وعنوان كتابه الذي ذكر فيه النبي باسمه الشخصي فقط (حياة محمد) وقد جرده من لقب النبوة هو آية تأثره بمناهج المستشرقين، ممن يقصرون التسمية على الاسم الشخصي للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم ينفون النبوة عنه  صلى الله عليه وسلم. وقد اشتط كثيرا في تأويله، مثلما فعل محمد عبده. فالحجارة عنده هي الحصبة والجدري، وقصة شق الصدر قصة موضوعة..مقلدا المستشرقين من أمثال:( موليير ودرمنغم خاصة). وأن الإسراء كان بالروح فقط.

فهيكل يركز على الجانب الإنساني  للنبي، وهذا تفسير مادي بامتياز. وقد استعار أفكاره من (السير وليام موير في كتابه، (حياة محمد)، وهذا من المآخذ التي أخذت عليه، مع عدم اقتران ذكر النبي بالصلاة والسلام عليه..أما ما سوى ذلك فقد دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم. دفاعا قويا ومستميتا..

مناهج المستشرقين في كتابة السيرة:

كانت الأندلس في القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي، هي الموطن الأول في تأسيس مدارس الاستشراق، وكانت الحملات الصليبية في هذه الحقبة التي اشتد أذاها على المسلمين، فقد دعا الفونس (ملك قشتالة) ميشيل سكوت ليقوم بتأسيس هيئة من الرهبان بأحد الأديرة التي كانت قريبة من طليطلة، كي يشتغلوا بدراسة الثقافة الإسلامية بكل تفرعاتها، من طريق ترجمتها من العربية إلى بعض اللغات الأجنبية، وحين تم لهم ذلك قدمها سكوت لملك صقلية، حيث أمر باستنساخ عديد من النسخ، ثم بعثها إلى جامعة باريس، إما للانتفاع بها إذا كانت علمية، أو للتثليب والانتقاض إن كانت دينية.

وبمرور الزمن أخذ الأوربيون يتوسعون في النقل والترجمة في مختلف الدراسات الإسلامية، وحينما ظهرت المطبعة الحديثة أنشئت مطابع بالعربية لطباعة الكثير من الكتب التي وقع عليها الاختيار، كيما تعتمد كمراجع للتدريس في المدارس والجامعات. ثم أنشئت كليات لتدريس اللغات الشرقية في العواصم الأوروبية  في بدايات القرن الثامن عشر الميلادي. وكانت الغاية من ذلك  تأمين الاحتياجات الاستعمارية بخبراء في الشئون الإسلامية والعربية، وكانت البعثات الطلابية من الدول العربية والإسلامية ترسل إلى هذه الجامعات للدراسة فيها، وكان المستشرقون هم أساتذتهم ومعلموهم، ولذلك كان معظم هؤلاء الطلبة يعودون إلى بلدانهم بعقول جديدة، وقد تلوثت بأوضار الشك والريبة والتنكر للذات والأوطان والحضارة الإسلامية.

ثم ندبت الحكومات العربية والإسلامية المستشرقين ليعلموا الطلبة المسلمين في الجامعات والمراكز العليا. وهؤلاء المستشرقون هم من أحيا النعرات الشعوبية (الإثنية) في البلدان العربية والإسلامية، وجعلوا هؤلاء الطلبة ينادون بهذه الشعوبية في التنظيمات الثقافية والجامعية والسياسية، وهانحن اليوم نجني خزي هذه الانقسامات التي خربت الأوطان وجعلت الناس يشكون حتى في أنفسهم، إن كانوا آدميين من جنس الغربيين.

والمستشرقون هم طائفة من العلماء الغربيين المتعصبين، وهم وإن اختلفت مشاربهم واتجاهاتهم، فهم أبناء ثقافة واحدة، كما قال الدكتور ساسي في كتابه (الظاهرة الاستشراقية)، فهم أبناء ثقافة واحدة، استقوها من الأديرة وكتب اللاهوت المعادية للإسلام والمسلمين، وهم في غالبهم أبناء قساوسة أو قساوسة، وقد وظفوا في الدوائر الاستشراقية التي كانت تشرف عليها الحكومات الاستعمارية في القرن التاسع عشر.

وقد ندبوا لهذه المهمة عبر الجامعات والمراكز العليا، والصحف والجرائد، والمجامع اللغوية والعلمية، أو كانوا ملحقين سياسيين أو مستشارين في السفارات والقنصليات.وقد تتلمذ عليهم أبناء الجيل الأول من المسلمين حين انتدبوا إلى الجامعات الغربية، أو ندبوا هم إلى الجامعات العربية كما تقدم ذكره، ومن ثم كان التأثير بهم كبيرا ومروعا، ومن الذين تأثروا بهم كثيرا من طلبة الجيل الأول طه حسين، فقد كانت كتاباته صورة طبق الأصل مما كتبه المستشرقون، وكان قد تأثر تأثرا شديدا بالمستشرق الفرنسي كازانوفا، من مواليد الجزائر، توفى بالقاهرة (سنة 1926م). ومرجليوث (1858-1945م) قسيس إنجليزي متعصب، وهو الذي جرى على أثره في اعتبار الشعر الجاهلي كله منحولا، وهو من نظم حماد الرواية وحماد عجرد وهما راويتان كبيران. فنشر مرجليوث بحثه بهذا الخصوص سنة 1925م، وتبعه طه حسين بإصدار كتابه ( في الشعر الجاهلي) سنة 1926م.

والغرض من ذلك هو التشكيك في بحوث الإعجاز التي تضمنتها كتابات العلماء المسلمين الذين كانوا معتمدين على مناهج المقارنة اللفظية بين القرآن الكريم والشعر الجاهلي، وأن المسلمين –حسب زعمهم- انتحلوا في عصر التدوين شعرا نسبوه إلى العصر الجاهلي، وتقصدوا أن يجعلوه أضعف من القرآن كيما تتم لهم المقارنة والمفاضلة. ومن أبرز من كتب في الإعجاز: الجاحظ  (تـ 225هـ) في كتابه نظم القرآن، والواسطي (تـ 306هـ) في كتابه إعجاز القرآن، وعبد القاهر الجرجاني( ت471 هـ) في كتابه دلائل الإعجاز، والباقلاني (338هـ403هـ) في كتابه إعجاز القرآن، والرافعي في كتابه تحت راية القرآن ردا على كتاب طه حسين ( في الشعر الجاهلي) وسيد قطب في كتابه التصوير الفني في القرآن، كلهم تناول الإعجاز من زاوية معينة.

وبخصوص تأثر طه حسين الشديد بـ (كازانوفا) انظر ماذا قال فيه محمد البيومي:”هذا لیس كازانوفا الذي تعلمون العاشق الإیطالي الشهير ساحر النساء ومحطم قلوب العذارى، ولكن هو كازانوفا طه حسین إنه ساحر عقول المفكرین والمأجورين لبث الشكوك في الدین الحنیف، ودسّ السموم في لغة القرآن العظیم .المستشرق الفرنسي الشهير ( كازانوفا) الحاقد على الإسلام والمسلمین، والناقم على القرآن الكریم. هذا أحد أساتذة طه حسین وأحد معلّميه المبجلین..مستشرق فرنسي، تعلم العربیة وعلمها في معاهد فرنسا وقدم مصر فانتدبته الجامعة المصریة آنذاك، لفقه اللغة العربیة أستاذاً .أستاذ لفقه العربیة مستورد من فرنسا !!!!

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مراحــــل الــدعـــوة النبــويـــة فـي مـكـــة1/ خير الدين هني

المرحلة الثالثة: حينما انتهت المرحلة الثانية وهي المرحلة السرية التي كانت تجري وقائعها في دار …