الرئيسية | على بصيرة | عيــد.. وأيُّ عيـــد ! / الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

عيــد.. وأيُّ عيـــد ! / الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

 

 

لبس بعضنا في العيد الجديد، وتنافست بعض نسائنا فيه، على أكل الثريد، وانزوى البعض الآخر، يندب بدمع ساخن، حظ شعبنا العربي الطريد، وما يلاقيه من عسف، وتنكيل، وقمع، وتشريد.

هذا هو العيد في أوطاننا اليوم: يتجلى على البعض بتجديد الثياب، وإغداق الأكل والشراب، ويتجلى على البعض الآخر، وهم كُثر، بالرعب، والخوف، من شدة العنف وكثرة الاضطراب.

سبحانك اللهم، مُنزل الغيث النافع على من اصطفيت من عُبّادك، ومسبب إنزال المدافع، على من ابتليت من عبادك.. وما حابيت الأوّلين، ولا جافيت الآخرين، ولكنك: طبّقت سنّتك الكونية على الجميع، فضربت المثل في الجزاء والترويع.

يُطلّ العيد علينا – إذن- ونحن موزعون بين مشردين، هائمين في العراء، ينشدون الخبز، والدواء، والكساء، والغطاء، وبين من يرفلون في بحبوحة العيش، وتخمة الثراء، ومشية الخيلاء.

مأساة أمتنا العربية الإسلامية، وهي في أصلها، أمة الوسط، أنها ضيعت الوسطية في كل مجالات حياتها، فهي تعيش التطرف في تديّنها، وتعاني التطرف في مواقفها السياسية والاقتصادية، والثقافية والاجتماعية.

أريد نِطْساً حكيما، في أمّتي، يبين لي، أسباب هذا العنف الأعمى الذي يضرب برقاب بعضنا، فيدفع الأخ إلى قتل أخيه، والطالب إلى اغتيال مربيه، والحاكم إلى قمع مواطنيه، والمتدين إلى تكفير مخالفيه.

كما أريد عالِما نفسيا أو اجتماعيا، ضليعا، يبرر لي الانبطاح والانسلاخ الذي أصاب بعض مسؤولي تربيتنا، الذين يصرّون على الحنث العظيم، ويحالفون كل شيطان استعماري رجيم، ويضيقون بكل آية ولو كانت هي البسملة، وينتفضون ضد كل قيم الدين ولو كانت في بداية المسألة، وينطبق عليهم حكم الآية {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}(الصافات: 35). وقوله تعالى{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}(مريم: 83).

وعجبتُ، لمسؤولين، يلوذون بالصمت أمام القبح الذي تعانيه منظومتنا، ويتواطئون عن قصد أو عن غير قصد، مع محاولات الطمس لمعالمنا، والدوس على قيمنا، والرفس على بقايا تراثنا وانتمائنا.

فهل غُلبنا على أمرنا، وسُلبت منا إرادتنا، وانعدمت فينا عزتنا وسيادتنا، إلى الحد الذي صرنا فيه فاقدي البصر والبصيرة، ومعصوبي العقل والسريرة، تُوجِّهنا إلى العبث بمصيرنا، شرذمة شريرة؟

إنّ هذه الأفكار هي التي تطوق فكرنا، وتستبد بعقلنا، حين يشرق علينا العيد، لأنه يحرّك السكين في جرحنا النازف، ويدغدغ بالألم شعورنا الناكف، فيصدق علينا قول الشاعر العراقي معروف الرصافي:

ألا ليت يوم العيد لا كان إنه

يجدد للمحزون حزنا، فيجزع

إنّ الأصل في العيد أن يكون موعدا للمرح والأفراح، يلعب فيه أطفالنا بكل أنواع اللعب، والأقداح، ويستعيد فيه كبارنا معاني وقيم التسامح، والعفو، والإصلاح، فيزول النكد والتعقد عن صغارنا، وينمحى كل سبب للتوتر، من قلوب وعقول كبارنا.

لكن ما الحيلة، إذا كانت بعض أجزاء وطننا العربي والإسلامي، لا تنام إلا على وقع الصفارات، ولا تستيقظ إلا على أزيز المدافع والطائرات؟

يحدث هذا كله، بالقرب منا في ليبيا الحبيبة، وقد شقيت بشرذمة من أبنائها، ذات القناعات المريبة، والممارسات العجيبة.

ويحدث ذلك أيضا، في مصر الكنانة، التي يعاني شعبها الخسف والإهانة، فيعيش على وقع القتل والتفجير، والغلاء والتقتير، والقمع والتعسير، مما يُندر بالشؤوم وسوء المصير.

وهل أتاكم – في العيد- نبأ اليمن، الذي يعاني كل أنواع الفتن، والمحن والكوليرا والجوع، والحزن، لأنه فقَد في أبنائه كل دلالات التعقل، والحكمة والفطن؟

هلا ذكّرناهم بقول إمامنا محمد البشير الإبراهيمي، خلّد الله ذكره وفكره:

أخنى الزمن على اليمن                   أبدلها صاباً بمَن

********

سل سيفــها بيد مـــن              سل سيفها أنت لمن

لا ناصـــــر لا مؤتمــــن              عد للحمى يا ابن اليمن

جد بالدماء من غير من            إن لم تذد عنها فمــــن؟

ويسألونك في العيد، عن سوريا، عن دمشق الفيحاء، وعن حلب الشهباء؟ ماذا فعل بها قادتها، وكبراؤها، وزعماؤها، وحكماؤها؟ لقد طاف عليها طائف القصف فخربها، وأتت عليها جيوش غير خاضعة للوصف فشردتها، وها هم أحرار سوريا، وحرائرها، يسامون الحسف والهوان، ويمدون الأيدي في الطرقات في ذلة وهوان: وعهدنا في السوري أنه سليل عزة وشهامة، وعلو همة وهامة، فماذا فعل حكام وأبناء سوريا بوطنهم؟ ألا يخافون الله في شعبهم وأمتهم؟

هذا قليل من كثير الأفكار التي يوحي بها لنا العيد، فيحوّل سرورنا إلى أحزان، وفرحنا إلى أشجان.

وبينما نحن نعاني هذه المآسي كلها، مضافا إليها مأساة العراق، ها نحن نرزؤ بمحنة الانقسام العربي في السعودية، والإمارات والبحرين وقطر. فتتطاير أمام أعيننا، ألسنة الوعيد والتهديد، والشرر؛ فتحوّل شقيق الأمس إلى كذاب أشِر، وحليف مجلس التعاون إلى عدو نُكر.

ماذا أصاب أمتي، في أعلى مستوياتها فتنكرت لمبادئها، ولمقتضياتها؟ وهل يعقل أن ينعكس مجرد الخلاف، بين الكبار، إلى إخلاف للمبادئ الإنسانية بين المواطنين الصغار؟

وماذا نصنع بالأحكام الدينية، والمبادئ الإنسانية، والقيم الأخلاقية؟أين الأعراف؟ وأين الأحلاف؟

لقد أتى على كل شيء طائف من الأطياف، منذ حل بمنطقتنا، ساحر، ماكر، حلّاف، فبدد أخوة المتساكنين، وشتت شمل المتحالفين، وقضى على أواصر المتصاهرين الأقارب فدبّت بينهم الأفاعي والعقارب؟

ألا يعلم إخواننا وأشقاؤنا، أنّ الاستعمار شيطان، وأنّ الشيطان لنا عدو، فلماذا لا نتخذه عدوا بنص القرآن؟ وبالدليل العقلي والبرهان؟

فيا قارئي العزيز !

هذه نبضات قلب مكلوم، ونفثات عقل مهموم، وأنفاس فكر مكظوم، فاضت بها مشاعر مضطربة، في عيد الأحزان والهموم، يهلّ على واقع أمة متردٍّ مأزوم.

فهل تنفع في هذا الواقع المأساوي، دعوات من صاموا وقاموا، في رمضان، أن يحوّل الله سلبية الأمة إلى إيجاب، وعقمها، إلى إخصاب بالخير وإنجاب؟

إننا قوم، بالرغم من كل شيء، لا يزال فينا الطيبون، والمؤمنون المخلصون، والصادقون.

فهل، يحل الله عقدتنا بدعائهم؟ وهل يفرّج كربتنا، بندائهم، وانتمائهم؟

لا نملك إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله، أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، فهو وحده القادر على ذلك، وإنه لنعم المولى ولنعم النصير.

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحصاد المدرسي: بين الإصلاح والانسلاخ/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

حدثونا عن المدرسة الجزائرية، بكل أشجانها وأحزانها وألوانها، إن الحديث عن المدرسة –اليوم بالذات- ذو …