الرئيسية | حديث في السياسة | مؤهلات قوية وأمة ضعيفة/ التهامي مجوري

مؤهلات قوية وأمة ضعيفة/ التهامي مجوري

تنطلق اليوم السبت 03-11-2018 مساءّ، بمدينة اسطنبول بتركيا، أشغال مؤتمر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه الشيخ القرضاوي، لانتخاب قيادة جديدة للإتحاد.

لا يذكر الناس من هذا الاتحاد إلاّ بعض الأخطاء الفقهية العابرة التي صدرت عن بعض قياداته، في حين كان من العدل أن يذكروا فضائله أيضا.

ولكن ما الحيلة عندما تكون الأمة قوية ولكنها ضعيفة الوعي والمدارك الصحيحة، من ذلك أنها لم تدرك هذه المؤهلات ولا حجمها الحقيقي في رسالتها في الوجود وفي علاقاتها بالعالم.

وبقطع النّظر عن ما وقع للاتحاد من ركود وضعف تأثير بعد اندلاع أحداث الربيع العربي، بسبب آراء رئيسه الشيخ يوسف القرضاوي الداعمة للحراك الشعبي غير المشروط، وبسبب بعض الفتاوى المترتبة عن ذلك، فإنَّ وجود الاتحاد كمؤسسة علمائية مهم جداً في هذا الشتات الذي تعيشه الأمة منذ عقود طويلة.

على أن هذا الاتحاد يمثل كل علماء المسلمين في العالم، بما في ذلك المسلمين كأقليات في بعض المناطق بأوروبا الشرقية والصين وأمريكا وأوربا الغربية، وهذا التمثيل الواسع هو الذي يحدث النقلة النوعية، إذا ما أدير الاتحاد بشكل جيّد واستثمار جاد للطاقات الموجودة والكفاءات الحاضرة فيه، وذلك بلا شك يعكس مشكلة العالم مجسدة في أفراده الذين اجتمعوا فيه على إيجاد حل لهذه المشكلات.

لا شك أنّ هؤلاء العلماء ستشغلهم مشكلاتهم الخاصة والأزمات التي ملأت العالم الإسلامي والمحن المفروضة على المسلمين فيه.

ولكن الشعور بوجوب تعميم رسالة الإسلام على العالم، سيفرض على الملتقين في هذا الاتحاد، إيجاد الحل للإنسانية من خلال رسالة الإسلام التي يمثلونها، ورسالة الرحمة للعالمين.

يذكر لنا التاريخ أنّ المسلمين شعروا بالخطر الأكبر عندما سقطت الخلافة في الربع الأول من القرن العشرين، وذهبوا يفكرون في المخرج للأمة بعد انحلال العقد، الذي حافظ على ما بقي للمسلمين من أوعية جامعة، فكانت فكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني، ثم جاءت التنظيمات الدعوية: الوهابية، السنوسية، المهدية، جمعية الشبان المسلمين، الإخوان، جمعية العلماء، جماعة التبليغ…إلخ، بحيث لا نكاد نجد بلدا فيه مسلمون إلا وأنشئت فيه حركة أو جماعة من أجل الحفاظ على المسلمين والدعوة إلى الإسلام…وقد مر على ذلك الأمر ما يقارب القرنين، وأثمرت الجهود بلا شك، حيث ساهمت في تحرير البلاد المستعمرة، واتسعت رقعة العمل الدعوي في العالم، وأضحى اليوم يفكر أبناء تلك الحركات في الفعل السياسي، وقد شارك البعض وقام بتجارب هامة، ومع ذلك بقيت فكرة بلورة المشروع الإسلامي في ضوء الحراك الدولي محل نقاش وجدل واسعين، بسبب ضعف المستوى الفكري للمسلمين، حتى أن مراد هوفمان وأظن علي عزت بيغوفيتش أيضا يتوقعان نهضة إسلامية يكون منطلقها أوروبا وليس العالم الإسلامي؛ لأن الأوروبي –الإسلامي طبعا- في مستواه الفكري أرقى وأثقل، ومن ثم فهو المرشح لفهم رسالة الإسلامي للإنسانية اليوم.

والاتحاد بتشكيلته التي هو عليها توجد فيه جميع هذه الشرائح، سواء الشرائح القديمة التقليدية، أو الشرائح الجديدة القادمة من أوروبا وأمريكا، من التي يرى هوفمان أنها مرشحة للنهوض برسالة الإسلام ورفع الغبن عن المسلمين.

يقول مالك بن نبي رحمه الله مركز إشعاع الثقافة الإسلامية في العالم في ثلاث مناطق: إسطنبول، نيودلهي، القاهرة. أما اسطنبول فقد توقف إشعاعها بانقلاب مصطفى كمال أتاتورك على الخلافة، وأما نيودلهي، فقد توقف إشعاعها بانفصال باكستان عن الهند، فضعفت وضعف معها الباقون من مسلمي الهند، فلم يبق لهم من القوة ما يمدون به الغير من قيم، أما القاهرة فلا تزال، ولكن عطاءها ضعف بسبب ضعف السلطة السياسية، والإتحاد يمثل هذه الجهات الثلاث، التي هي بالقوة وبالفعل مصرة على المساهمة في حل مشكلة العالم.

فالمميزات التي تؤهل هذا الاتحاد للمساهمة بفاعلية في النهوض بالإسلام والمسلمين كثيرة ومنها:

  1. التمثيل العالمي، أي أنّ كلّ العالم ممثل في الاتحاد، بقدر يمكنه من معرفة جميع مناطقه وخرائطه الثقافية والسياسية والدينية.
  2. التنوع الثقافي والخصائص المناطقية والتي حصرها بن نبي رحمه الله في مراكز الإشعاع الثلاثة، وهي خصائص محلية لا يمكن القفز عليها، وأفضل من يتكلم عنها ويعرضها هم أهلها، فأهل المغرب يتكلمون عن تجارب المغاربة وخصائصهم، وأهل أوروبا هم أفضل من يحدثنا عن أوروبا وحاجتها، وكذلك كل العالم…
  3. تنوع التجارب والخبرات الدعوية والسياسية للمنتسبين للإتحاد، إذ لكل منطقة يوجد بها مسلمون، تحمل في طياتها تجربة مختلفة عن تجارب غيرها، وأفضل من يعرض هذه التجارب، هم أصحابها والقائمون عليها.
  4. الأقليات الإسلامية في العالم، لها أيضا ما تفيد به المسلمين؛ لأن العالم اليوم غير مفصول عن بعضه البعض، بل هو موصول بالفعل والقوة، بحيث أضحى المسلم في أي بقعة في العالم مواطن بها، أكثر منه مسلم أو غير مسلم، ولهذه الأقليات تجارب هامة يمكن أن يفيدوا بها غيرهم من إخوانهم في العالم.
  5. التنوع الذي تفرضه هذه الفئات الدولية، في النقاط الأربع السابقة يفضي إلى الاختلاف والتباين حتما، ويضاف إليه مناطق التوتر والنزاع سواء في المناطق الداخلية: العراق، سوريا، ليبيا. أو الخارجية: المستعمرات، مناطق النزاعات العرقية الطائفية…إلخ.

هذه المميزات في تقديري هي الكفيلة بمعالجة الأمور أو على الأقل إدراكها بالمستوى الذي تستحق من الإدراك؛ لأن من بين مشكلات العالم اليوم ومشكلة المسلمين فيه، أن التشخيص الذي تقوم به الهيئات والجماعات غير كاف لمعرفة حقائق الأمور، لتسجيل الموقف منها؛ فكثيرا ما تكون جهود المسلمين في العالم تصب في وعاء الغير، بسبب العجز عن فهم العلاقات الدولية، أو بسبب العواطف التي تحل محل العقل والحكمة في الكثير من الأحيان.

إنّ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يعد مكسبا للأمة، وثراء هائلا وقوة علمية ودعوية عالية، في أمة ضعيفة بكل أسف، ولا أضعف منها إلاّ الضعف نفسه، إذ لو كانت هذه الميزات في مجتمع مختلف لطار في السماء..

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …