الرئيسية | في رحاب الشريعة | الإرادة الإيمانية لانطلاق النهضة الاقتصادية الحقيقية/ محمد مكركب

الإرادة الإيمانية لانطلاق النهضة الاقتصادية الحقيقية/ محمد مكركب

قال محاوري بعد قراءته المقال السابق الذي كان  بعنوان [ الإحصاء والإعداد وحقائق التخطيط في علم الاقتصاد] إن تلك الحقائق الاقتصادية، المذكورة من علم الإحصاء وفن الإعداد والمنهجيات العمرانية، ومقتضيات التوازن الجهوي، قد تبدو بعيدة المنال رغم بداهتها، أو مجانبة للآمال رغم هدفيتها، أو لعل القراء الكرام لهم رأي آخر في التجديد والتطوير بالمنطق المقترح (منطق الخريطة البيانية المستقبلية)، لهذا (قال محاوري): نرجو كلمة توضيحية عن بناء الإرادة والعزم لانطلاق النهضة الاقتصادية الحقيقية.

1 ـ أجل إن الإرادة الإيمانية التي قوامها العلم والتخصص والإخلاص، تعتبر الأساس لانطلاق النهضة الاقتصادية، انطلاقة جادة وناجحة. ولنعلم منذ البداية الغرض من هذا البحث الثاني في الموضوع، لنعلم أن السيادة الوطنية لا تكتمل إلا بالاكتفاء الذاتي الاقتصادي؟ وأن عهد البترول سينتهي ويأتي عهد الأصول الاقتصادية من ثروات الأرض، وتكتشف أو تخترع مواد وعناصر طاقوية جديدة، فإذا لم تؤسس الشعوب العربية ومنها الجزائر، القواعد الاقتصادية الحقيقية وهي خدمة الأرض، وتشكيل العقل المخطط، قلت إذا لم يستعد ويعد الشعب قواعد الاقتصاد الحقيقي فإنه يجد نفسه أمام الحقيقة الصارخة الصادمة، حين لا ينفع المسلمين إلا توكلهم على ربهم ثم اتباع السبب وهو: 1- أن يكون عيشهم من أرضهم، بفكرهم وجهدهم وعرق جبينهم، مما يخترعون وينتجون محليا مائة بالمائة.

2 ـ  إن الحسابات الاقتصادية المستقبلية تبنى على ما تنتجه الأمة محليا، لا دخل فيه للحاوية، ولا للقروض الأجنبية، ولا للاتكال على الاستيراد بغير مقايضة.

إن الشعب السيد هو الذي ينتج قوته بيده، ويبني مستقبله بأبنائه، ولا يفتقر إلا إلى خالقه، يعيش من حبة القمح الوطني، وصناعة الورق الوطني، وقطعة القماش الوطني، ومن مصادر ثروات الأرض لصيانة السيادة والشرف والعِرض؟ فإذا أراد المسلمون حفظ عرضهم وكرامتهم وسيادتهم فعليهم بالتوكل على ربهم ثم إنتاج عيشهم من أرضهم بأيديهم.

3 ـ هل مازلنا لا نعلم أن الاعتماد على الاستيراد هدم للاقتصاد؟ ألا نعلم أن الشطط والغلط في انعدام التوازن العمراني يزيد الأزمة شدة نحو الانسداد؟ وانتشار المدن على حساب الفلاحة (كما هو الحال في الجزائر) وعلى حساب المعايش الحقيقية مخاطرة قِمَارية، وسلوكات عشوائية، والحل في هذا المجال توزيع المدن عبر كل ربوع الوطن، ولكن بأسلوب القصد والاقتصاد، إن الواجب والفرض في علم الاقتصاد، أن يكون التوسع العمراني، متوازنا عبر المناطق الصالحة لعمران الوطن، لمستقبل  الأجيال اللاحق، إن التقدم الحقيقي لبلوغ الآمال أن تُعْتَمد القيم العلمية والفكرية، كالتخطيط العلمي، والشورى العلمية، والقصد (حسن التدبير وعدم التبذير) وأن تسلم الأَزِمَّة لأهلها من ذوي الاختصاص، وأهل العزم والإخلاص، قال الله تعالى:﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ والمعنى: جعل الله لعباده في الأرض مكاناً وقراراً، وجعلهم قادرين على التصرف فيها ولهم فِيها مَعايِشَ، جمع معيشة، وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها مما يكفيهم، ومما يتوصلون به إلى كل حاجاتهم، ولكن أين العلة؟ وأين الغلط؟ يقول الله تعالى:﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ والشكر حسن الاقتصاد، بالإحصاء والإعداد. أفلا يشكرون؟ بإصلاح مناهج التربية والتعليم، المناهج التي تربي الأجيال على حب العمل بالعلم، وعلى أداء الأمانة وحب الوطن بالعلم، أن يتخرج جيل يستخير ربه عز وجل، ويستشير العلماء، ويقتصد في الإنفاق. وفي الأثر:( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد).

4 ـ إن الحضارة تبنى باستشارة العلماء المتخصصين المتمكنين، وبحفظ أموال الأمة التي تنفق في كثير من الأحيان بغير تخطيط ولا ميزان، كما يجب أن يعلم كل مسئول ممن يؤمنون أنهم يوم القيامة يسألون، أن المصلحين الذين أقاموا دولا عظيمة، وشهد لهم التاريخ بالنجاح، إنما كان ذلك بسبب فهم الأسباب، فاتبعوا الأسباب، التي وهبها لهم العزيز الوهاب، ومنهم الملك الصالح. ذو القرنين. قال الله تعالى:﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً.فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ إنه آمن واتقى، واتبع ما أمره به ربه عز وجل. أفلا يشكرون؟ قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾.

قال محاوري: هذا التوجيه القرآني الإيماني، يعتبره التغريبيون الدنيويون أنه تجاوزه الزمن، وهم منبهرون بما قاله المفكر فلان، والسياسي علان، أما آيات القرآن، فلا شأن لهم بها ولا يسمعون لها ولا يتدبرونها، إن الله تعالى قال عن الدنيويين:﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾. ورد في الميثاق الجزائري:( إن الاستقلال الحقيقي يستلزم الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال المالي للدولة، وإحداث سوق وطنية للتحكم في التكنولوجيا، وضرورة اعتماد الأمة على نفسها أولا لتوفير شروط الاستقلال الفعلي: السياسي، والاقتصادي)  ألسنا نعلم جميعا أن الاستقلال يظل ناقصا نقصا كبيرا ما لم نحقق الاستقلال الفعلي السياسي والاقتصادي، وهل يتحقق الاستقلال الاقتصادي بالديون والاستيراد؟ وبغير اكتفاء ذاتي؟

5 ـ قال محاوري: ولكن الاكتفاء الذاتي الاقتصادي قد يتطلب أموالا ووقتا وظروفا، هل كل هذا متوفر لدى هذه الشعوب، وبعبارة أخرى هل هذا التحليل روعي فيه منطق القدرة والاستطاعة الذاتية؟ أجل إن ربنا عز وجل قال:﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولكنه قال: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ﴾ عندما نتق الله تنزل البركات إلا على الذين لا يوقنون. قال الله تعالى:﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾، وقال الله تبارك وتعالى:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾. قال تعالى:﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ هل استمعنا عندما قال لنا:﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾(الحج:41). قلت لمحاوري: أم أنك من الذين يقولون كل هذه الآيات القرآنية لا علاقة لها بالاقتصاد؟ أنت قلت: إن هذه الشعوب لا تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي منذ أربعين سنة أو خمسين، وما زَالَتْ لا تستَطِيعُ، أنت قلت هذا. وربنا سبحانه وتعالى قال:﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قلت لك يا محاوري، يا عاقل: إن الله تعالى قال بعدها:﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ﴾ كيف ننفق أموالنا؟ كيف نستثمرها لتعود علينا بالخير لأنفسنا؟ كيف نقتصد؟ كيف نتدبر ولا نبذر؟ ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾.

6 ـ إن الدعوة إلى ( الإرادة الإيمانية، لانطلاق النهضة الاقتصادية الحقيقية) دعوة ربانية من بداية الحياة البشرية على هذه الأرض، قال لله تعالى عن أهل الكتاب:﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. وكلمة (مُقْتَصِدَةٌ) في هذه الآية تعني: أنها عادلة غير غالية ولا مقصرة. من القصد والوسطية والاعتدال. وفي تفسير الجلالين:(مقتصدة) تعمل بما أنزل الله.

7 ـ إن التفكير المنير نحو بناء اقتصاد مستديم ومستقر وشامل ينبغي أن ينتقل من فكر البيع والشراء، بيع البترول والغاز، وشراء الأكل والدواء والمركوب، إلى فكر إنتاج المواد الأساسية وإقامة علاقة اقتصادية دولية بالمقايضة الحقيقة قيمة لا شكلا، وذلك بتوظيف كل طاقات الوطن، وجمع الجهود في نظام تكاملي ومحكم التنسيق، قلت دائما على ضوء الخريطة البيانية التي ترسم المستقبل بأهدافه جليا وواضحا، بقوانين إجرائية ثابتة، خاصة في ثلاثة مجالات: شراكة الاقتصاد المختلط، والملكية، والتبادل التجاري، والتعامل مع الشركات الأجنبية عن طريق الاقتصاد الحر، بعقود خاصة.

8 ـ اعتماد الزكاة وهي المحرك الاقتصادي الأساس، بأن تتولى مؤسسة الزكاة إقامة وتحريك وتنفيذ هذا النشاط الحيوي العظيم في حياة الأمة. ومن الثمرات التي تتحقق بالزكاة حين تقوم المؤسسة بكامل دورها على الوجه الأكمل.

1 ـ تحسين النشاطات الاقتصادية ذلك أن العاملين على الزكاة حين ينتقلون إلى الميدان وفيهم المهندسون والْمُقَوِّمُون والخبراء والموجهون، والمرشدون في الفلاحة والصناعة والجارة والحرف والسياحة والثقافة، سيبينون لأصحاب الأعمال ما يجب من الفنون والآليات لتحسين الإنتاج.

2 ـ حسن صرف الدخل القومي في أبوابه المشروعة بحكمة، بالقدر الذي ينبغي، وفي الوجه الذي يبنغي.

3 ـ تحقيق العدل والإنصاف في توزيع الثروات الوطنية، بحيث كل واحد يأخذ حقه.

4 ـ تتحقق الكفاية الانفاقية على المشاريع العمومية وتقل أو تنعدم الضريبة، ويصير الغنى كما حدث في عهد عمر بن عبد العزيز.

9 ـ  العمل بالدينار الذهبي الشرعي الاقتصادي.

لو حافظ العرب خاصة والمسلمون عامة على العملة الرسمية وهي ( الدينار الشرعي الذهبي) أو (الدرهم الفضي) لكان ذلك عاملا أساسيا في حفظ القوة الاقتصادية بنسبة أكثر من واحد وخمسين بالمائة. العمل بالدينار الذهبي  يحقق فوائد اقتصادية:

1 ـ تبصير الخاصة والعامة على السواء بحقيقة القدرة الشرائية العالمية، وهذا يجعلهم يقتصدون ولا يبذرون من حيث لا يشعرون.

2 ـ يتخلصون من اللجوء إلى الفوائد الربوية التي تفرضه العملات البنكنوتية التي تنخفض قيمتها، فيضطر المقرض بنكا كان أو فردا إلى زيادة نسبة تضمن قيمة الانخفاض. 3 ـ يسهل التعامل في سوق إسلامية مشتركة، ولو كانت هذه السوق المشتركة بين الشعوب العربية وحدها على الأقل (لِقُرْبِ هذه الشعوب ببعضها، وتقارب خصائصها) لكانت قوةً كبيرة في النهضة الاقتصادية بين هذه الشعوب. إن عدم العمل بالدينار الذهبي الشرعي، وعدم العمل بالسوق العربية المشتركة، يعتبر هذا تفويت فرص اقتصادية عظيمة على هذه الشعوب فأين (الإرادة الإيمانية، لانطلاق النهضة الاقتصادية الحقيقية)؟

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …