الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | رحم الله (لا أدري) فقد ماتت في هذا العصر/ محمد الصالح الصديق

رحم الله (لا أدري) فقد ماتت في هذا العصر/ محمد الصالح الصديق

كثيرا ما يُسأل عن مسائل شرعية عويصة، بعضها مما يعد الخوض فيه أمرا خطيرا لتعلقه بالعقيدة، ولكنه يجيب بلا حرج كأنه يسأل في البديهيات التي لا تدعو إلى نظر وتأمل، أو مراجعة وبحث.

ذكرتني رؤية هذا الفقيه بلا فقه، وهذا العالم بلا علم، بحال العلامة الحجة الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية، وصاحب المصنفات القيمة في الشريعة الإسلامية، فقد كان رغم سعة علمه، وإحاطته بمصادر التشريع الإسلامي، وتمرسه على الإفتاء حتى صار حجة فيه يقول: إن مقام الفتوى عظيم وخطير، وأن على المفتي أولا جمع النصوص التي تتعلق بموضوع السؤال من الكتاب والسنة وأقوال العلماء والمذاهب، ثم الموازنة بين الأقوال، ثم الحكم أخيرا على ضوء ذلك.

وكان –رحمه الله كما ذكر عنه محرر فتاواه- الأستاذ الشيخ حسن الشقراء في مجلة الإسلام –يونيو 1937- لا يصدر في الشهر كله إلا ثلاث فتاوى على الأكثر، أما بعض (فقهائنا) اليوم فليس أسهل عليهم وأهون، من التحليل والتحريم، لأن (لا أدري) عندهم تحط من قيمتهم، وتنقص من قدرهم!

سألني رجل عن قضية شرعية، ولما أحلته عمن يفتيه عنها، وقلت له، إنه كفؤ في الفقهيات. قال: إنها قضية سهلة أنا أستطيع أن أفتي فيها، قال ذلك لأنه رأى تساهل الناس في التحليل والتحريم!

إن القرآن الكريم يأمرنا بالتوجه إلى أهل الذكر، نعرض عليهم قضايانا، ونلتمس منهم إفادتنا، قال الله تعالى:{… فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل/44]، فكل عالم بعلمه وتخصصه، يُقصد لفتح ما أغلق، وحل ما أشكل، وإضاءة ما أظلم.

وسؤال الجهال، خطأ في القصد، وانحراف في الاتجاه، وجوابهم يوقع البلبلة ويفضي إلى عواقب وخيمة، ماديا ومعنويا.

وأهل الذكر –كما ذكر الإمام الرازي رحمه الله- أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله، أو أنهم أهل العلم بأخبار الماضين، أو أنهم كل من يُذكر بعلم وتحقيق.

هذا كتاب الله يصدع بالحق، فما بالنا نرى أنصاف المتعلمين يتنافسون في الفتوى، والقرآن يتردد على الألسنة؟

ومن مميزات هذا الدين العظيم أن كتابه باق على الدوام يوجه ويرشد، ويضيء الطريق إلى الحق، ويحمي الضمائر من غوائل الهوى والجهل، إلا من انطمس عقله وضل سبيل الرشاد!

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

بقلم: محمد الصالح الصديق   جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن …