الرئيسية | بالمختصر المفيد | بهذا انتصر الأولون/ كمال أبوسنة

بهذا انتصر الأولون/ كمال أبوسنة

 

كثيرا ما أردد خاليا قول الله تعالى :﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ فترتعد فرائسي، وأعود بتفكيري إلى ما عملتُ أو تكلمتُ أو كتبتُ، فأسأل نفسي :”هل كانت لله خالصة أم خالطها حظ من حظوظ النفس، هذا العدو الخفي الذي بين جوانبنا “.

أجل، يا له من موقف عظيم حين يَقْدِم الرجل العامل الناصب على الله تعالى يوم الحساب، وهو يظن أنه يملك من الحسنات كأمثال الجبال، فيجعلها الله هباء منثورا، لأنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، وصافيا من الشرك ما ظهر منه وما بطن، ثم يأمر به ملائكته الشداد الغلاظ الذين لا يعصونه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فيُسحب إلى نار قعرها بعيد، وحرها شديد…”والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني”..!

يُروى أن جيش المسلمين ابتلي بلاء عظيما في معركة نهاوند” حينما واجه جيش الفرس في هذه المعركة الفاصلة التي سقط فيها شهداء من خيرة قادة الإسلام من صحابة الرسول– صلى الله عليه وسلم – المعروفين عند الناس…

ولكن من كان معه الله فمن عليه، لقد أنعم الرحمن عليهم بالفتح المبين، وأعزهم بالنصر الثمين، وحطموا أسطورة ” كسرى” إلى الأبد، فلا كسرى بعده…

فلما أن جاء البشير أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه – ألقى عليه البُشرى بانتصار المسلمين، وانهزام الفرس أعداء الدين، فكـبَّر عمر الفاروق، وكـبَّر معه الحاضرون في مجلسه..

قال حامل البشارة لعمر-رضي الله عنه-:

أبشر يا أمير المؤمنين بفتح أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل فيه الشرك وأهله.

قال عمر:

النعمان بعثك؟

قال البشير: احتسب النعمان يا أمير المؤمنين.

فبكى عمر واسترجع، فقال:

ومن ويحك؟

قال البشير:

فلان وفلان – حتى عد ناسا – ثم قال:

وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم.

فقال عمر رضوان الله عليه – وهو يبكي:

“لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم”.

وفي رواية أخرى: قال عمر – رضي الله عنه -:

” وما ضرهم ألا يعرفهم أمير المؤمنين؟! لكن الله يعرفهم، وقد أكرمهم بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر ؟”.

إن المسلمين الأوائل من صالح سلف الأمة ما انتصروا في كل معاركهم إلا بإخلاصهم الذي أذكى أوار إيمانهم، فكانوا عبادا لله حقا، ولم يكونوا عبادا لأهوائهم وشهواتهم، ولكن خلف من بعدهم خلوف من المسلمين بُسطت عليهم الدنيا كما بُسطت على الذين من قبلهم، فتنافسوها فأضعفتهم وأذلتهم، وتكاد تهلكهم..!

إن الإسلام اليوم بحاجة إلى العاملين المخلصين الربانيين الذين يعملون لوجه الله، وليس إلى الذين يعملون باسم الله لأنفسهم أو لغيرهم، فعوض أن يحملوا الإسلام فهو حاملهم، فأصبحوا أعباء زائدة عليه، وليست الباكية الثكلى كالباكية المستأجرة، ولله في خلقه شؤون!!!

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإسلام منهج شامل/ كمال أبو سنة

الراسخون في العلم الشرعي يدركون جيّدًا أنّ الفكرة الإسلامية شاملة لا تتجزأ، وكاملة غير منقوصة، …