الرئيسية | حديث في السياسة | الثقافة والسياسة/ التهامي مجوري

الثقافة والسياسة/ التهامي مجوري

خلال هذا الأسبوع نلتقي بثلاثة أيام لها وقعها في عالمي الثقافة والسياسة. والأيام الثلاثة هذه هي: الفاتح من نوفمبر، و31 أكتوبر و29 أكتوبر. أما الفاتح من نوفمبر فيصادف الذكرى الـ64 لاندلاع الثورة المباركة، وأما 31 أكتوبر فذكرى وفاة مالك بن نبي الـ45، وأما يوم 29 أكتوبر 2018 فهو يوم افتتاح المعرض الدولي الذي دأبت الجزائر على تنظيمه في كل عام.

فذكرى الفاتح من نوفمبر تفرض علينا التفكير في الحركة الوطنية، التي تحدت الواقع الدولي بظلماته ومظالمه، وفجرت ثورة كانت أقوى فعل شهده القرن العشرين في البلاد العربية والإسلامية، بوسائل بسيطة تكاد تشبه في كمها ونوعها لعب الأطفال، إذ ماذا يفعل “الفوشي” أو “المحشوشة” أو حتى السكين والسيف، أمام المدافع والدبابات والمروحيات؟ لا تفعل شيئا..ولكن الإرادة التي يملكها الشعب يومها كانت أقوى من المدافع والدبابات والمروحيات، وتفرض علينا أيضا مقارنة ذلك بواقعنا المأساوي الذي تمر به البلاد اليوم..، ذكرى نستحضر بها إرادة شعب هزم أعتا قوة دولية متمثلة في الدولة الفرنسية ومن ورائها الحلف الأطلسي. هذا الشعب اليوم يترقب وكأنه غير معني بما يقع في البلاد بسبب الفساد الذي وحل واستفحل عم وغم، بحيث غلب على الناس يأسهم على تفاؤلهم.

وأما وفاة المفكر الجزائري مالك بن نبي، رحمه الله، الذي توفي في 31 أكتوبر 1973، قد توفي مثلما يتوفى كل الناس، حضرت ساعته فذهب.

هذا الرجل كان يعاني من الحصار السياسي الثقافي؛ بسبب التيارات الأيديولوجية التي كانت مهيمنة على الساحة السياسية والثقافية، ولكنه مع ذلك لم ييأس؛ بل كان يقول لزوجته سيعرفني الناس بعد ثلاثين سنة، وهي العبارة التي نقلتها عنه ابنته السيدة رحمة.

إن الكلام عن ذكرى وفاة هذا الرجل، ليس بعثا لوثنية المشيخة والتعلق بالأشخاص، وإنما من أجل إحياء الفكر الرسالي والتذكير بدوره في الحياة، من إعادة اللحمة بين الثقافة والسياسة، بعد أن نزغ الشيطان بينهما.

والاهتمام بالكتاب لا شك أنه من الوسائل الفعالة الكاشفة، لكل من يريد أن يعرف ويفهم ويقدر مثل هذه الأمور، سواء فيما يتعلق بالثورة أو فيما يتعلق بأهمية القيادات الفكرية الثقافية؛ بل ومن يريد أن يعرف علاقة الثقافة بالسياسة أصلا، فزيارة المعرض الدولي للكتاب الذي تنظمه الجزائر سنويا، هو المناسَبَة المنَاسِبة للقارئ الجزائري لاقتناء ما يتشوق إليه من الكتب والموسوعات والمعارف.

في العادة الناس يحجون إليه من كل مكان بالجزائر، وأذكر يوم كان الكتاب مدعوما في بداية ثمانينيات القرن الماضي، أن بعض الفرنسيين كانوا يأتون إلى الجزائر بهذه المناسبة لشراء الكتب المتخصصة الغالية جدا، مستفيدين من مكانة العملة الجزائرية يومها بالنسبة للفرنك الفرنسي، ومن دعم الدولة…، تلك أيام..

والتقاء الثقافة بالسياسة في أيام واحدة أو متقاربة، لا يعني التفاؤل أو التشاؤم، وإنما هي مناسبة تذكرنا بأهمية الالتقاء بينهما، لو كنا نسمع أو نعقل؛ لأن السياسة المنفصلة عن الثقافة، هي التي جعلت من ثورة بحجم الثورة الجزائرية، تنتج شعبا بعد الاستقلال يعيش وكأنه مستقيل من الحياة السياسية تماما، والشاهد واقعنا اليوم الذي لا يُشْعِر أحدا بأن الشعب الجزائري مهتم بشؤونه، وكأنه في بلد غير بلده..وفي أحسن الأحوال تجد من يسبُّ ويلعنُ هذا الواقع والمتسببين فيه  وكفى، أما ما العمل؟  وكيف نعالجه؟ ومن يعالجه؟ مثلما كان يفعل في الحركة الوطنية والثورة، فذلك شيء آخر لا يوجد من يتحمل مسؤوليته بشكل جدي.

والثقافة المفصولة عن السياسة، أيضا ليست أحسن حالا؛ بل هي أسوأ، لأن هذا الفصل المشؤوم قد حفرت خنادق بين قيادات الأمة الشعبية والمجتمعات، فشكلت لدى الشعوب مواقف من المثقف والعالم والمفكر، أقل ما يقال فيها أنها مواقف مترددة من كل مثقف أو عالم أو مفكر، بحيث يعيش رجل الفكر الرسالي كمالك بن نبي -مثلا- بين قومه، وهو عاجز عن تسديد نفقاته الخاصة، فضلا عن مصاريف تنقلاته وسفرياته كمفكر وكاتب تحتاج إليه الإنسانية من أقصى الدنيا إلى أقصاها؛ بل إننا في بلادنا لم نعرف بن نبي إلا متأخرين جدا، ومن عرفه منا من شعر بخطورة أفكاره عليه وعلى مستقبله.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …