الرئيسية | أقلام القراء | من يحمي وحدتنا الوطنية؟/ علي حلتيم

من يحمي وحدتنا الوطنية؟/ علي حلتيم

‏عجيب هذا الخط العام الذي يلاحظه المتأمل في أحوال الجزائر حيث يرى من جهة أن ذاكرة الجزائريين مع الاستعمار تهدأ يوما بعد يوم بفعل فاعل أو فاعلين أو بتوافقهم على ذلك في ما يسمى «عمل الذاكرة» وتمر الأحداث الأليمة كأنها احتفالات بمن قَتل ومن قُتل حيث ‏يحتفل بذلك أبناء المجرمين مع أبناء الضحايا يسمون ذلك عمل الذاكرة. ومن جهة أخرى نلاحظ خطا آخر يريد أن يصنع ذاكرة من العداء بين أبناء الوطن الواحد يصنعها من العدم: ذاكرة بلا ذاكرة!

الأماكن لها ذاكرة، والوطن له ذاكرة، والأشجار والسماء تتذكر أيضا، والكتب هي الذاكرة التي لا تشيخ!

فإذا سألنا الأماكن والوطن والكتب فإنها سوف تذكّرنا من جهة بأن هذا المستعمر قاتل من طينة الكبار: المغول والخمير الحمر وأنه حاول جاهدا وبذل الطاقة واستفرغ كل ما فيه من وحشية كي يفني هذا الشعب فلما أيس من ذلك راح يختلق البحوث والدراسات ويقنن القوانين التي تزرع الفرقة والفتنة بين أبنائه.

وحين نسأل الأماكن والكتب والوطن فإنها ستحدثنا أن هذا الشعب عاش في وحدة واحدة موحدة جزائرية مسلمة: العربي فيه جزائري مسلم والأمازيغي فيه جزائري ومسلم والترقي فيه جزائري المسلم والشاوي فيه جزائري مسلم والمزابي جزائري مسلم، والكل جزائريون مسلمون في عائلة واحدة كبيرة ربها الله ودينها الإسلام ووطنها الجزائر بل إنهم كانوا لا يَرَوْن أنفسهم إلا مواطنين مغاربة يمثلون الجناح الغربي المكمل للجناح الشرقي لإمبراطورية الاسلام التي سادت العالم أزيد من عشرة قرون.

‏إن الجزائريين قد مارسوا منذ قرون طويلة الوطنية في مفهومها المعاصر وتعني الوحدة السياسية بين مختلف الأعراق التي تعيش على أرض واحدة فتجعل من اختلافهم تنوعا لا تعددا كما يريد من يريد الشر لهذا الوطن وهذا الشعب.

‏وحين نسأل التاريخ فإنه يخبرنا أن الدين كان ولا يزال وسيبقى أكبر الموحدين لأبناء هذا الشعب العزيز، وحين نسأله كرة أخرى فإنه سوف يخبرنا أن فرنسا قد حاولت جهدها ولا تزال وستبقى تضرب الأسافين وتدق المسامير في وحدته تحت القاعدة الأبدية المعروفة: فرق تسد!

والأمة مثل الجسد الواحد‏: تولد وتكبر ثم تشب عن الطوق ثم تقوى وتشتد وقد تشيخ وتهرم وتموت. والوحدة الوطنية هي روح هذا الجسد الذي نسميه الأمة تصيبه الأمراض والأدواء والهرم والموت وهو بحاجة إلى منعة من شعبه ودينه وقيمه، فإذا غفلت الأمة عن جسدها ووحدتها فإن الأمراض سوف تصل إليه رويدا رويدا تبدأ صغيرة كما يبدأ المرض صغيرا في جسد الإنسان ثم تكبر شيئا فشيئا حتى تستحكم وتستعصي، وإذا غفلت الأمة عن عوامل وحدتها فإن تلك الوحدة سوف تضعف وتهرم وتموت كما يضعف الجسد إذا أهمله الإنسان ومنعه الرياضة والتدريب وما يصلحه.

‏ولا شك أن هذا العمل هو مهمة العقل في جسد الإنسان، والعقل في جسد الأمة هو دولته وسلطانه وهو الذي يجب عليه أن يأخذ هذا الجسد بالعناية والدربة ويمنع عنه الأمراض والأوباش وأخطرها على الإطلاق فرنسا التي هي مثل الفيروس، الوقاية منه خير من علاجه وعلاجه مكلف ومؤلم وغير مضمون.

لن يكفيني هذا المقال ولا مقالات طويلة كي أبين مشاريع فرنسا لضرب وحدتنا وانسجامنا وسلامنا وهي لم تعد خافية ولا تحرص كثيرا على التخفي ولابد أن أولي الأمر فينا يعلمون أكثر مما نعلم ويشعرون لهذا الخطر أكثر مما نشعر أو هكذا يجب أن يكون، وآن لهم أن يسطروا في السياسة والثقافة والإعلام والقوانين ما يحمي وحدتنا التي هي الروح ويصد فرنسا عن كيدها الذي هو الموت.

‏فيا أمة الجزائر أفيقي قبل أن تتصوملي أو تتبلقني ويذهب ريحك وروحك وتموتي بعد هذه الحياة الطويلة غير مأسوف عليك لأنك فرطت في وحدتك وتركت الداء يبثه العدو، وأنت تنظرين، ولات ساعة مندم!

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …