الرئيسية | أعلام | الشيخ أحمد بوداود بن عبد الرحمن الديسي 1894-1965 وخطبته حول استفتاء تقرير المصير لاستقلال الجزائر/ ثامر لطرش بن الساسي

الشيخ أحمد بوداود بن عبد الرحمن الديسي 1894-1965 وخطبته حول استفتاء تقرير المصير لاستقلال الجزائر/ ثامر لطرش بن الساسي

المولد و النشأة :

أحمد بوداود بن محمد بن عبد الرحمن الديسي بن إبراهيم الغول وإليه ينتسب أولاد سيدي إبراهيم القبيلة الشهيرة بعلمائها وأدبائها وشعرائها، فلا يوجد بيت إلا وينحدر منه فقيه أديب أو شاعر مفلق أو أديب محقق، أو فنان حصيف، من مواليد 1894 بالديس 12 كلم غرب بوسعادة.

أسماء لامعة:

وفي تاريخها القديم والحديث أسماء لامعة في عالم الأدب والشعر والفن والفقه والتعليم كالشيخ: ابن أبي القاسم بن عروس توفي 1893م والمحدث الأصولي، ابن يطو بن بلقاسم بن مرزوق، والأديب الإمام محمد بن الصديق بن أبي العدل توفي 1888م  – وابنه محمد الصديق توفي 1907م – ومحمد بن بلقاسم الخرشي – دفين زواوة   ودحمن بن السنوسي بن الفضيل 1818-1930م ونجله الشيخ بن دحمان دفين المدينة المنورة توفي 1954م، والمؤرخ مفتي الجزائر الحفناوي بن الشيخ صاحب كتاب تعريف الخلف برجال السلف والمدني بن الشيخ 1876 -1937م، والخبير في الطب والأدب، ومحمد بن عبد الحق والشيخ محمد الشلالي شاعر الحضرة النبوية، وأحمد بوداود الذي نحن بصدد الحديث عنه.

عصره: أ – وضعية الشعب الجزائري:

كان مطلع القرن العشرين بالنسبة للجزائريين صفحة جديدة من النضال السياسي والفكري بعد أن خمدت الثورات الشعبية، واستكان الناس لمداواة أوضاعهم بعد الخراب الذي عم البلاد اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، فكانت هذه الحقبة كارثية على بنية المجتمع الجزائري حيث تقطعت أوصاله، وطالت الهجرة أطيافا كثيرة من أبنائه إلى المغرب الأقصى وتونس والشام وغيرها، وزاد الطين بلة الأمراض الفتاكة والمجاعات المضنية المتلاحقة التي أرهقت كاهل المجتمع الجزائري نهاية القرن التاسع عشر.

ب – النهضة الأدبية والفكرية:

ومع بداية القرن العشرين شهدت البلاد نهضة أدبية وفكرية تزامنت مع نضج سياسي عند النخب المثقفة، هذه النخب انخرطت في العمل الفكري والسياسي وساهمت بوجه ما في التأثير على المناخ الفكري.

شب أحمد بوداود في فترة الثلاثينيات حيث الصراع الفكري السياسي والثقافي بلغ أشده بين النخبة المحافظين على القيم الإسلامية والمعارضين لسياسة الاندماج، يمثلهم علماء الحركة الإصلاحية وعلماء الزوايا والطرق من جهة والنخبة من

المثقفين بالثقافة الغربية المطالبين بالاندماج ومعظمهم خريجو المدارس الفرنسية.

الطريقة الرحمانية:

كانت الطريقة الرحمانية التي ينتمي إليها الشيخ أحمد بوداود منارة شامخة، فقد ناصرها والده في مؤلفاته منها: رسالة إقحام الطاعن، ونصيحة الإخوان وإرشاد الحيران والفوائد الحسان، فوالده الديسي شيخ العلم في الزاوية القاسمية

محل تقدير بين جل علماء القطر ربطته علاقة وطيدة برجال الإصلاح يميل إلى منهجهم، والاتصال بالشيخ عبد الحميد بن باديس وبينهما رسائل، ومدحه في قصيدة معروفة بشهادة له بعد لقاء جمعهما بسطيف، وكان الرابط بينهما الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي .

شيوخه وأساتذته:

لقد نشأ أحمد بوداود نشأة أعانته على بلوغ غاية من العلم، فتعلمه بزاوية الهامل وتحت نظر والده ورعايته تخمرت آراؤه وأفكاره، وفي مجلس علماء الزاوية تفتقت ثقافته، واستوت معارفه، فتزامن عنفوان شبابه بعنفوان قوتها العلمي إذا كانت آنذاك من أنشط زوايا القطر الجزائري، فهي محط الأدباء والشعراء والفقهاء من داخل الوطن وخارجه.

ومن هؤلاء الشيوخ: الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن الديسي، وهو شخصية معروفة على الساحة الجزائرية والمغربية، نوه به الكتاني في كتابه: فهرس الفهارس .

  • محمد بن الحاج محمد: من أهم ركائز الزاوية القاسمية حيث يقول الشيخ الحاج ابن السنوسي:” انحصرت مشيخة الزاوية القاسمية في أربعة من العلماء: 1 – الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمان الديسي – 2 – الشيخ سيدي محمد بن الحاج محمد 3 – وأخيه الشيخ سيدي الحاج المختار، والثلاثة أخذوا الفقه عن الشيخ الأعظم – 4 – سيدي محمد ابن أبي القاسم (1896م)، وهو رابع مشيخة الزاوية “.
  • المختار بن الحاج محمد: عرف عنه، الصلاح والزهد ومتانة الدين، تولى مشيخة الزاوية بعد أخيه الحاج محمد قال شيخه الديسي عنه “كان علامة محققا وجهبذا مدققا وملحوظا من ربه بعين الرعاية محفوظا مؤيدا بالعناية.
  • محمد الوانوغي المقراني: هو نجل الشيخ أحمد بوزراق المقراني قائد ثورة 1871 وفي بلدة الهامل وبين هؤلاء الشيوخ أحمد بوداود نال معارفه في اللغة والفقه والتفسير.

وفاته:

استمر الشيخ أحمد بوداود في جهوده العلمية، من تدرس وإفتاء ونسخ لمؤلفات والده إلى أن التحق بالرفيق الأعلى بتاريخ 05 فيفري 1965م ودفن في مسقط رأسه في مقبرة الديس، وزامنت وفاته وفاة الإمام محمد البشير الإبراهيمي 1965 رحمهما الله وأسكنهما فراديس جنانه – آمين – .

آثاره:

شرح لامية ابن الفارض – رسالة الصواعق المحرقة للأفاك المرجوم الذي أنكر الزيارة والتبرك بغير المعصوم ـ انتظار الفرج واليسر بعد ضيق الغلاء والعسر ـ مقالة أدبية على لسان القهوة  ـ شرح القصيدة الدندانية في الرد على زعيم الطائفة الوهابية نظم الشيخ محمد السنوسي ـ بالإضافة إلى رسائل ومكاتبات خصبة مع علماء عاصروا والده وتتلمذوا على يديه، وكذا رسائل أصحابه وشيوخ الزوايا، وهي تمثل نصوصا أدبية وعلمية ومستندات تاريخية.

مقالاته وظروف نشرها:

محاضرات ودروس كثيرة ألقاها في بعض المساجد والزوايا التي زارها ومقالات نشر بعضها في جريدة النجاح التي تأسست سنة 1919 بقسنطينة، ولقلة موارده المالية لم يظهر منها على صفحات الجريدة إلا ثلاث مقالات بسبب عجزه عن دفع أقساطه (حق النشر) حيث كان صاحب المقال هو الذي يدفع حق النشر – عكس ما نحن عليه اليوم – حتى التقى بالعاصمة بمدير الجريدة السيد: عبد الحفيظ بن الهاشمي (1897 – 1973) فشكا له بؤس حاله و قلة ذات اليد مما حدا به أن

يكتب بخط يده كلمة إلى رئيس التحرير بتاريخ 20 جانفي 1950 قال فيها:” إن السيد أحمد بوداود كان قد مكن إليكم مقالات للنشر فنشرت ثلاث منها وبقيت ثلاث، فأنشر له الثلاث الباقية، وسيدفع لك مستقبلا الثمن وإذا كانت طوالا فاختصرها وأعمل مجهودك في ذلك حيث يدفع لك الواجب وهو من أحبابنا.

والآن نرجع إلى خطبته حول انتخاب تقرير المصير حوالي شهري ماي جوان 1962، وكان هذا في اجتماع منظم بالديس حضرته شخصيات مختلفة بالإضافة إلى قادة من المجاهدين والجيش الجزائري.

خطبة تقرير المصير لاستقلال الشعب الجزائري 1962

أيها السادة قادة جبهة التحرير الوطني نخبة أركان السياسة الجزائرية، وخيرة أقطاب الرئاسة العسكرية الشعبية إلى معاليكم الشريفة أوجه هذا الخطاب وأحييكم وأحيي ضيوفكم الحاضرين معنا في هذا الصعيد الواحد في ظل الراية الخضراء التي ترفرف على رؤوس الذين يتألف منهم هذا الركب الأنور، وجاؤوا من كل بلدة وناحية وولاية تحملهم نجائب الشوق لللقاء حضراتكم المحبوبة واستجابة لاستدعاء إخواننا الذين أقاموا هذا الحفل الشيق، ولإخلاصهم في الثورة ومحبتهم للجنود الجزائريين، وجد على أحسن نظام، وأبهى إرتسام، وجاء في أجمل مظاهره وأفخم مجاليه.

أيها المواطنون الكرام حيث إن الخطباء الذين زانوا المجمع المزدهر بكم خطاباتهم البليغة طرقوا المواضيع التي تناسب المقام أرجوكم أن تسمحوا لي في التطفل عليهم بإلقاء كلمات في الإتحاد أجعلها تمهيدا ووسيلة للمهم المقدس والغرض المقصود الذي يتعين على كل واحد من الجزائريين أن تصرف له العناية ويلفت نظره إلى الجهود الجبارة التي يتطلبها ويخدمه بكل ما يستطيع لذلك أقول مستعينا بالله: لا يخفى أن الإتحاد هو قوة معنوية فوق كل قوة مادية، إذ من مقتضياته تعاون الجميع على العمل للمصلحة العامة قال الله تعالى:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة آية: 2] . فمن الواجب على أفراد الهيئات الاجتماعية بالولايات الست الجزائرية (الولاية السابعة بفرنسا) أن يعملوا جميعا على انتظامها وتوفير فائدتها وتشخيصها للخاصة والعامة بما يحقق كمال سعادة الشعب الجزائري وليردعوا بنافذ كلمتهم وقوتهم الرهيبة كل من يخرج على الجماعات في أنظمتهم وأعمالهم، أو يسعى في التفرقة بينهم، وتأخر عنهم في الواجبات الوطنية وإلى أين يفر من تغويه النفس الأمارة بالسوء ويزين له خناسه فتنة إخوانه؟.

فوحدة الدين والوطن اللذين هما الصلة المتينة والرابطة القوية يدعوننا إلى شدة الرابطة بيننا فيتبادل الشعور والإحساس والدعاية والإدارة الفعالة.

وطن الأدباء والأجداد دنا استقلاله المنتظر وأصبح على أبوابنا، ولم يبق لنا عليه إلا عشية أو ضحاها فجدوا كل الجد في تحريض كل قسم ومنطقة، ومدينة وعاصمة من الناخبين والناخبات الجزائريين على الإطلاق وبسائر النواحي والآفاق على عدم التواني في المساهمة في الاقتراع والتصويت على تقرير المصير – استقلال الجزائر- الذي بالفوز به في ذلك اليوم المشهود نحرز بمشيئة الله على استقلال الجزائر، الذي بذل المجاهدون الأبطال في سبيله التضحية بالأرواح والأشباح وكفاح الاستعمار العدو الغاشم، وأذنابه الخونة.

وها هو العالم الإسلامي، والدول العربية الشقيقات في انتظار ما يسمعونه عنا من بشرى الاتفاق والإتحاد في ذلك اليوم السعيد، وختاما أسأل الله لشهداء الثورة القومية الذين استشهدوا بتلك المعارك الدامية سهلا وجبلا واسع الرحمة والنعيم في فراديس الجنان مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يوفقنا وإياكم لما فيه خير البلاد وسعادة العباد، ويجازي خيرا المحسنين المحتفلين الذين قاموا بواجب إكرام الوفود، وتحيا الجزائر وليحيا الشعب، ولتحيا جبهة التحرير ولتحيا الحكومة المؤقتة ورئيسها، ولتحيا الهيئة التنفيذية ورئيسها، وليسقط الاستعمار في الحل والترحال والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

– المرجع : – كتاب الشيخ أحمد بوداود بن محمد بن عبد الرحمن الديسي – دراسة وتحقيق الأستاذ: محمد بسكر

–  منشورات الجمعية الثقافية للعلامة الشيخ الديسي – مطبعة رويغي – الأغواط – الجزائر – الطبعة الأولى: 1439-2018 – رد م ك IBSEN.978.9961.9919.9.2

عن المحرر

شاهد أيضاً

الشيخ ثابت الأزهري في ذمة الله ويترجل آخر تلامذة الشيخ عبد الحميد بن باديس

أ/ الأخضر رحموني/   رزئت الحركة الإصلاحية والتعليمية في الجنوب الشرقي الجزائري مساء يوم الخميس …