الرئيسية | على بصيرة | ظهر الفساد، وعمّ العالي والنازل من العباد/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

ظهر الفساد، وعمّ العالي والنازل من العباد/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

عندما تبتلى أمّة ما بشمولية الآفات، فتأتي –في سلوكها- أشنع الكبائر، وأحقر الصغائر، لأنها فقدت البصر والبصائر.

وعندما تصاب أمة ما في أخلاقها، فينعكس ذلك، على ضميرها ليتبلد، وعلى صغيرها فيتشرد، وعلى مواطنها فيتطرف ويتشدد، وعلى شبابها فيتمرد، فتلك من علامات التدهور والتبدد.

فهذه الأعراض، مجتمعة أو متفرقة تكاد تصبح لازمة في وطننا وأمتنا؛ فساد في الذمة، وصغار في الهمة، ونهب للمال العام من القاعدة إلى القمة، وعنف أعمى من العامة إلى الأيمة.

إن مثل هذه الأعراض، هي التي تترك “الحليم حيران” و”العاقل سكران”، و”المؤمن شيطان”:﴿أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾[سورة الطور، الآية 15].

طافت بذهني، هذه الأفكار التشاؤمية وأنا أرى صورا مذهلة، على شاشات وواجهات وأعمدة الإعلام، لرجال ونساء كنا نعهدهم من الأخيار، من الإمام القاتل، والضابط الخاتل، والسياسي المتآكل، والنائب الناهب المتحامل، والإعلامي المتطاول، والعامي الساذج المتساهل. فماذا بقي –بعد هؤلاء- لأمتي من عناصر البناء والعوامل؟

مأساتنا، أننا نملك كل مقومات البناء والتعمير، والازدهار. فقد رزقنا الله أخصب الآبار، وأغنى الحقول والآثار، وأطيب إنتاج الحبوب والثمار، وفَضَّلنا، بأقدس كتاب، وأحكم نبي مختار، فكيف –والحالة هذه- تدحرجنا إلى مرتبة الذل، والعار والشنار؟

فأن يسرق فينا الجائع ليسد رمقه من المسغبة والجوع، أو أن يخطف لص ساذج ما يستر به الجسم والضلوع، فتلك أخطاء قابلة للتصحيح، والرجوع. لكن أن يسرق المسؤول المال العام، وهو المسؤول عن حماية الربوع، أو أن يفسد الضابط، وهو الموكول إليه حماية وإصلاح الجموع، فتلك مصيبة لا نجد لها –والله- علاجاً في كامل الأصول والفروع.

كيف نقنع أطفالنا، حينما نربيهم على حفظ الأمانة، وتقديم العون والإعانة، وإبداء المساعدة، لكل من يعاني العجز أو الإهانة؟

ماذا نقول في خطاب الدعوة الإسلامية إلى الناس، عندما يشاهدون ملح الطعام وقد تسوس، وصابون الغسيل وقد تدنّس، وماء الشرب وقد تنجّس، وتلوث الأوكسيجين الذي منه نتنفس؟ أليس هذا من علامات قيام الساعة؟

نريد فقيها في سياسة الحكم يعيد لنا شرح مقومات السياسة، ونتوق إلى عالم اقتصاد يبصرنا بمتطلبات الدراسة، في التعامل مع المال بمنهجية وكياسة.

ذلك أن أمتنا بكل طوائفها ومكوناتها قد حادت عن كل خط قويم، وصراط مستقيم، وإلا فكيف نفسر، شرح الثري الذي يسرق الملايير من المال العام؟ وكيف نعلل سلوك السياسي الذي، يضرب للعامة أسوأ المثال في ما يأتيه من تصرفات وأفعال؟

وهل يمكننا أن نثق في النائب عنا في الدفاع عن حقوقنا، وصيانة نصوصنا، وهو يخرق حق الشارع العام، ويعتدي على حق القيادة، وشروط الريادة؟

أسئلة حائرة، ستظل بلا أجوبة، وعبثا نحاول إقناع أنفسنا، بأن ما يحدث هو مجرد حدث عابر، وليس عملا ممنهجا، ومخططا له، وأن المسرحية ليس لها كتّاب سيناريوهات، ومخرجون دهاة، وفنيون عتاة، وبغاة.

رباه ! لقد ادلهمت الظلمة في سماء وطننا، وأحاطت بنا ألوان شتى من المكائد والمؤامرات، وفقدنا الواقي لنا من كل هذه المصائب، لنستعيد البصيص من الشمس التي خسفت، والإرادة التي فترت، والعزيمة التي ضعفت، والآمال التي خابت وذبلت.

إن هذه الغثائية التي نحياها، وهذه النكبات التي نغشاها، جعلتنا كالحاطب بليل، أيصيب أفعى أم يلامس عقربا، فكيف إذا تكاثرت الأفاعي، وتنوعت العقارب؟

فما هو المخرج من الضيق الذي نحن فيه؟ وهل هناك من يعي، من قادتنا، وسادتنا، ما تعانيه أمتنا من ويلات، ومن نكبات.

وأين مثقفونا، ومجاهدونا، وسياسيونا، وإعلاميونا، من هول ما تعانيه الأمة؟ أليس في أمتنا رأي سديد، ورجل رشيد، وزعيم صنديد، وقائد مجيد؟

فمهما اشتدت الأزمات، وتوالت النكبات، هناك، بقايا وطنيين، ونزهاء مخلصين، وعلماء ثابتين، وهم الذين سيجعل الله بهم بعد عسر يسرا.

ولكي يتحقق ذلك، لابد للعدل من أن يسود، وللحاكم الحكيم كي يقود، والضابط النزيه كي يذود، إذا أردنا للاستقرار أن يعود، ونرى خافقات البنود، ويُرى نجمنا للعلا في صعود.

فمحال أن تستمر الأزمة، وقد وصلت ذروة احلولاكها، والمحنة، أنكى تطوراتها

فلابد لليل أن ينجلي       ولابد للقيد أن ينكسر

فيا بني وطني ! يا أيها الطيبون ! إياكم أن تستسلموا للمحن، والمصائب، فقد ابتليت أمم من قبلنا، بأبشع الابتلاءات ﴿وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾[سورة آل عمران، الآية 146].

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[سورة آل عمران، الآية 139].

إن ما يشفع لنا، في كل هذا، هو أن لنا علما يرفرف، واستقلالا معترف به، ومواطنين وطنيين، وإن قل عددهم، صامدون ثابتون، ذائدون عن حق الوطن، وما كان الله ليعذب الوطن، وفيه رجال مخلصون، ونساء صالحات.

فقد سئل حكيم قديم: “كيف نتغلب على الأقوياء؟ أجاب باتحاد الضعفاء”، وكما قال أبو بكر الصديق الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم “القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له”.

ذلك أن الفساد باطل، وما بني على باطل فهو باطل، وأن الصلاح حق، وأن الحق هو الذي يبقى ويدوم، وتلك سنة الله، ولن نجد لسنة الله تبديلا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

القدس: عظَمة الصِّغار وصَغار الكبار

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إن ما يكتبه شبان وشابات بيت …

تعليق واحد

  1. ستكشف الغمة و صنعد للقمة برفع للهمة بنشر العلم النافع وتربية النشئ البارع.. و ذلك دور العلماء المخلصون