الرئيسية | كلمة حق | اغتيال الأفكار/ أ. د. عمار طالبي

اغتيال الأفكار/ أ. د. عمار طالبي

{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}[الأحزاب:39].

إذا ظهر مفكر في بلاد العرب أزعج، وبدا عدوا وخائنا، تعدى حدوده، وتجاوز شأنه، وقل عقله، وفسد فكره، فلابد من أن يجعل له ما يعالجه، ويمحو داءه، ولا يمحى داؤه إلا إذا صفي جسده، وقطعت أوصاله، وغاب خبره، فلا يعثر له على قبر، ولا على قطعة من جسمه، فيغّيب عن أهله، وعن الناس غيابا مطلقا، وإلى أن يلقى من اغتاله ربه، ويحاسب حسابه، وتشهد عليه أعضاؤه، وتنطق بجريمته، ويفضح أمره، في تلك المشاهد التي لا يظلم فيها أحد، وما ربك بظلام للعبيد.

الأمة لا تتقدم إلا بمفكريها وعلمائها، الذين يبدون آراءهم بحرية لا يخشون أحدا إلا الله، ولكن إذا كان المفكر في ظل الاستبداد والطغيان ألقم حجرا، وسجن، وقمع، وعذب، وينتهي أحيانا بالاغتيال، والقتل الشنيع بالإعدام أو بالخطف أو بتقطيع أوصاله.

لذلك تبقى الأمة في تخلف وركون، لا ترقى ولا تتقدم، لغياب الحرية، والتعبير الحرّ.

إن التعبير الحر عن الرأي يفيد الأمة، وينبّه النظم، ويبدي لها النصيحة، والمنهج السديد لتسيير الأمة وقيادتها، ولا يضر شيئا، ولكن ضيق الصدور والأفق، والطغيان لا يقبل أي رأي ويغتر، وينفرد بالرأي كأنه إله أو فرعون، أو معصوم لا يخطئ، فمن خالفه في الرأي يحسبه عدوا يجب مقاومته، وإبعاده عن الوجود.

إن عصرنا هذا لا يخفى فيه شيء كما يظن الطغاة القتلة، المغتالين للفكر والمفكرين، وأصبحت الشعوب اليوم تسمع وترى، ترى الأشياء والأشخاص، وتسمع وتعلم، وتشاهد المشاهد، وتبلغها الأصوات.

ها نحن نرى هذه الجريمة، في قتل صحافي أبدى رأيه ونصحه، وليس عدوا لبلده، ولا لنظامه بل كان خادما له، ومقربا منه، ولا يريد إلا أن يتقدم شعبه، وترقى أمته، وتتمتع بالحرية والازدهار، وكان يسعى لذلك كله، فلما ضيّق عليه، ونفذ صبره هاجر إلى خارج وطنه، ولم يحمل سلاحا ولا دعا إلى حرب، إذ ليس له إلا سلاح الفكر والنصح النافع السديد.

ولكن النظم المستبدة لا تحب النصح، ولا الرأي المخالف، فالله سبحانه حاور إبليس، وأذن له بالحرية إذا استطاع أن يغوي عباده، وأطال عمر الشياطين وما يتناسل منه، كما أن الله يمهل هؤلاء الظلمة من شياطين الإنس استدراجا لهم وإمهالا، لكن إذا جاء وعيدهم في الدنيا أو الآخرة، ذاقوا وبال أمرهم فيُقتلون كما قَتلوا، ويُعذبون كما عَذّبوا، ويصبح أمرهم في تباب وتخسير، فلا نصير لهم يومئذ ولا ولي، فكم رأينا من طاغية هلك بعد طغيانه، أو حوكم وقتل شر قتلة، والأمثلة كثيرة في عصرنا، فاذكر أيها القارئ طاغية رومانيا مثلا وكيف كانت عاقبة أمره.

ألا فليكفّ هؤلاء المستبدون القتلة عما هم فاعلون، وليذكروا أن كراسيهم قد يأتي عليها الطوفان، أو العواصف فتصبح خبرا بعد عين، وأثرا من غبار التاريخ، وحركة التاريخ لا تتوقف، وتغيير أحوال المجتمعات والنظم لا رادّ لها، ولا مانع.

إن عصرنا عصر الإعلام، وفضح الجرائم، وإظهار ما كان يظن أنه يخفى على الناس.

فهل يصلح أمثال هؤلاء القتلة أن يحكموا الحرمين الشريفين؟

إن هذا الاغتيال الشنيع، والقتل المريع يسيء إلى الإسلام نفسه، ما دام هؤلاء يزعمون أنهم يحكمون بالشرع وبما عليه السلف، فأين السلف من هؤلاء؟ فهذا تشويه للإسلام وسماحته، وعدله، وأصوله في الحرية، والحق إننا نجرأ إلى المولى العلي، ونبرأ من جرائم المستبدين الذين يعتقلون العلماء، وذوي النصح من المؤمنين في أوطاننا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الأستاذ محفــــوظ سماتي فـي ذمــــة الله

أ د. عمار طالبي/ فجعنا هذه الأيام بوفاة أستاذ جامعي متميز وعالم من علماء الاجتماع …