الرئيسية | شعاع | تكوين المفكر/ حسن خليفة

تكوين المفكر/ حسن خليفة

عندما تُذكَر جملة “تكوين المفكر” ينصرف الذهنُ سريعا إلى عنوان الكتاب الشهير المعروف الذي يحمل هذا العنوان نفسه” تكوين المفكر” للأستاذ الدكتور المربي الداعية عبد الكريم بكار، وقد أحسن وأجاد في هذا الكتاب، كما في غيره من كتبه ومؤلفاته الرائعة. غير أن الذي أردتُه في هذه السطور القليلة عن “تكوين المفكر”، وهو امتداد للموضوع السابق “المفكر الصغير”…الذي أردتُه وقصدتُ إليه قصدا هو أهمية العمل الجادّ المستعجل، والسعي الدائب ـ في حرص ووعي ـ على الانخراط في هذا الإنجاز العظيم في وطننا، وهو الاهتمام بـ”تكوين المفكر”.

هذا المسعى يخصّ كل الجهات، وكل المستويات، وكل المواقع؛ بدءا من الحقل التربوي التعليمي، بمختلف أطواره، وانسحابا على كل المجالات والميادين.

إنه أمر بالغ الأهمية وذو أبعاد استراتيجية، يمثل إحدى الغايات الغالية الكريمة لوجودنا كله ـ مجتمعا ودولة ـ…وقد طال الإهمال وامتد الفراغ في كثير من الميادين، فصرنا على بعد مسافات كبيرة مما وصلت إليه المجتمعات وحققته.

هل من المعقول أن تنطفيء الأضواء في حياتنا على مدى أكثر من أربعين عاما، فلا نجد طبقة من”المفكرين” الأفذاذ، بالمعنى الحقيقي للمفكر؟ وهل من المعقول أن تخلو حياتنا الثقافية والفكرية والسياسية ـ على مدار عقود ـ من أسماء لامعة تستحق بالفعل هذا الاسم “مفكر”؟.

بل هل من المعقول والمقبول أن تسود حياتنا العامة والثقافية ـ الفكرية تحديدا هذه “الأرهاط” من أشباه المثقفين وأنصاف المتعلمين وأشباه أشباه الباحثين والدارسين، وأشباه أشباه قادة الرأي…ولا تمتليء ساحاتنا إلا بلفيف من النطيحة والمتردية وما تعافه السباع، في الثقافة، في الفكر، في الأدب، في الإبداع والفن، وفي الإعلام والاتصال، وفي السياسة وإدارة الشأن العام، وانظرـ إن شئت ـ  إلى البرلمان لتعرف حقيقة الكائنات التي التحقت به، والتي يُفترض بها أن تكون نخبة الفكر والثقافة والإبداع،..أنظر ستجد هذه الطبقة الجامحة الرعناء التي زحفت بالتزوير والبهتان و”الشكارة”.. لتصل إلى موقع تمثيل المجتمع، وها قد كشفت سلوكات بعض أفرادها عن المستوى الرديء البعيد كل البعد عن الفكر والثقافة والقيم والقيادة.

ما المقصود بتكوين المفكر؟

المقصود به ببساطة: الإعداد والتهيئة والعمل من أجل أن يكون في مجتمعنا “مفكرون” و “مفكرات” ذوو وذوات بصر وبصيرة، وذوو وذوات علم ومعرفة…ومؤهلات ومهارات، مفكرون ومفكرات ينقبّون ويحفرون في الأعماق من أجل فهم المجتمع وهدايته، لهم كفاية من العلم وأكثر من الكفاية في المعرفة، ولهم قُدرات صُقلت وكفاءات نضجت، ولهم شغف ورغبة ومنهجية وتحصيل، وتحليل وتركيب، واستيعاب، ولهم قدرات في تقديم الحلول للمشكلات المطروحة…فكيف يمكن أن نحقق ذلك؟

في كثير من المؤسسات التربوية، فضلا عن الجامعات، في دول شتى تُدرس موادّ ومقاييس لها صلة بالتفكير والفكر مثل: التفكير الإبداعي، التفكير الناقد، التفكير التحليلي، طرائق التفكير، أنواع التفكير، التدريب على التفكير،…وسواها من المواد ذات الصلة بالتفكير وتعليم التفكير.

لمَ لا يكون  لدينا في أنظمتنا التعليمية، في الأطوار المختلفة، هذا النوع من الموادّ العلمية التي نحفز فيها التلاميذ والطلاب والطالبات على كل ما هو “تفكير ” و”فكر”؟.

لماذا لا تكون لدينا مقاييس عالية في مجال تخريج نوعيات خاصة من التلاميذ والطلاّب ذكورا وإناثا، ممن لديهم ولديهن فائق قدرة، وفائق مهارة وفائق مواهب. لمَ نسطح كل شيء، ونسوّي بين الجميع، في نسق تدبير وإدارة بليدين، بلا أفق مفتوح على المنجز الإنساني الأروع المسمّى “صناعة الإنسان” المتّسم بقيم التميز والإبداع والتفرّد وفاق القيمة، والقيمة المضافة..؟

لمَ  لدينا هذا الاهتمام المجنون والغريب بالكمّ والأعداد الكبيرة والأرقام الطويلة؟ لم َ نحرص ـ فقط ـ  في حياتنا العامة وفي إدارة شؤون مجتمعنا على “الكمّ” ونفاخر بذلك في تقاريرنا المملة؟…نقول: لدينا عدد كذا من الجامعات، لدينا عدد كذا مليون من الطلاب، لدينا عدد كذا من المصانع …لدينا عدد كذا مليون من الوحدات السكنية..؟ الخ .

لم َ لا ننظر إلى الواقع الحقيقي وهو يصرخُ بأننا فقراء في النوع. لا جامعاتنا ولا مؤسساتنا البحثية ولا مراكز التكوين والإعداد لدينا تفي بالغرض وتنتج لنا “النوع”.. النوع هو الجوهر..النوع هو الكيف ..النوع هو مربط الفرس في الإنجاز الحقيقي.

كم لدينا من مفكر؟ كم لدينا من مبدع موهوب متميز؟ كم لدينا من قادة رأي ذوي نوعية خاصة؟ كم لدينا من “نسخة أصلية” في هذا الحقل المعرفي أو ذلك؟

نعم لدينا بضع عشرات من المبدعين، والمفكرين، والمخترعين، والموهوبين ـ من الجنسين ـ ولكن ليس لدينا فضيلة في وجودهم وفي وصولهم إلى ما وصلوا إليه من اقتدار وتمكّن وتحقيق ما حققوه؛ لأنهم حققوه بأنفسهم بإمكاناتهم وباجتهادهم الخاص، ومعظمهم يعيش خارج دائرتنا الجغرافية بعيدا.

أنا أتحدث عن “منتوج وطني” طبيعي يُنسب إلى أنظمتنا التعليمية والتكوينية، ويتصل بجهود دولتنا ونُخبها الحاكمة في “إنتاج” مفكرين في المعنى الأشمل لهذه الكلمة، وفي إنتاج أفراد لهم القدرة على حصد الجوائز العالمية الكبرى وتحقيق براءات الاختراع والوصول إلى اكتشافات علمية وإنسانية، نماذج إنسانية لها سبق وريادة وتميّز، كما هو الشأن في مجتمعات قليلة هنا وهناك، هي التي تقود العالم.

أتحدث عن تكوين مفكرين..والذي ينبغي أن يكون برنامجا علميا وطنيا ذا أولوية قصوى.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سؤال التنمــــــــــية المتعثرة …من المسؤول ؟/مناطق الظلّ…ووجوب تقدم الإصلاح فيها

يكتبه: حسن خليفة/ لا يحتاج الحديث عن التنمية الغائبة، أوالمعطلة، في مختلف جهاتنا وأقاليمنا الوسيعة …