الرئيسية | ذكرى | مظاهرات 17 أكتوبر1961م، الثورة الجزائرية في باريس/ نــور الـديـن بـوعــروج*

مظاهرات 17 أكتوبر1961م، الثورة الجزائرية في باريس/ نــور الـديـن بـوعــروج*

إن التاريخ الجزائري ما يزال حقله خصبا حيث ما يزال منه المجهول كثيرا وخاصة الحقبة الحديثة والمعاصرة، وإن كان ذلك لأسباب موضوعية وأخرى ظرفية،فإن المناخ العام لم يتهيأ بعد للاهتمام بهذا المجال.

وعليه فإن دراسة تاريخ الثورة الجزائرية هو موضوع ذو شجون بحيث أن الباحث بقدر ما يجد من الأبواب الشاغرة التي تتطلب البحث والدراسة يجد العراقيل والأشواك تترصد له الطريق وخاصة أن المرحلة قريبة من زمن الأحداث،وعناصرها ما تزال على قيد الحياة.

ولعلّ مظاهرات أو حوادث 17 أكتوبر1961م التي وقعت على التراب الفرنسي نفسه من طرف المهاجرين الجزائريين للوقوف على أسبابها المباشرة وغير المباشرة، والأحداث التي ميزتها، والنتائج المترتبة عليها على مستوى الثورة الجزائرية و الرأيين الداخلي والخارجي.

وفي هذه الوقفة التاريخية حاولنا مع كثير من التركيز الإجابة على بعض التساؤلات المطروحة، معتمدين على ما توفر من شهادات ومراجع في الموضوع، وهي مذيلة في نهاية الدراسة.

أسبابها المباشرة

كان  موريس بابون (Maurice Papon) في أكتوبر 1961م رئيسا لشرطة باريس ومسؤولا مباشرا، وكان يتمتع بكل الصلاحيات التي تخول له اتخاذ القرارات كما يعترف هو بذلك في مذكراته بطريقة تهكمية.

ومعلوم أنه كان قد تم الاتفاق حول صياغة بيان وافق عليه وزير الداخلية وصدر بعد اجتماع مجلس الوزراء برئاسة ميشال دبري (Michel Debré) الصديق الحميم والوفي للجنرال ديغول (De Gaule) والذي كان قد كشف عن نواياه في جريدته بريد الأمة (Le Courrier de la Nation) بوقت قليل قبل تسلمه الحكم، وذلك تحت عنوان له أكثر من دلالة:”جبهة التحرير الوطني تحكم باريس” وقد نص ذلك البيان – إجمالا واختصارا- على ما يلي:

“على العمال الجزائريين الامتناع عن السير ليلا عبر شوارع باريس وضواحيها وبالخصوص من الساعة 20 و30دقيقة إلى غاية الساعة 05 و30 دقيقة صباحا.كما يطلب من الفرنسيين المسلمين السير على الإنفراد، فكل التجمعات الصغيرة تعتبر محل شك من طرف دوريات الشرطة. ويجب غلق كل محلات بيع المشروبات التابعة والمسيرة والمقصودة من طرف الفرنسيين المسلمين للجزائر(Français Musulmans d,Algérie) وذلك كل يوم على الساعة 19”.

إن هذا البيان الرسمي الصادر عن السلطات العليا لهذا البلد،الذي يدّعي احترام مبادئ الجمهورية والديمقراطية، جاء ليفرض تشريعا خاصا على فئة من مواطنيه ويعكس بوضوح التفرقة والتمييز العنصريين الممارسين على هؤلاء المواطنين، والأخطر من ذلك فإن هذه السياسة العنصرية ستقـود إلى ارتكاب مـذبحة شـنيعة في حـق هـؤلاء المواطــنــين. (2)

ولكن لماذا “موريس بابون”؟

لم يـُـدْعَ إلى تسلم منصب رئيس شرطة باريس إلا بعد أن أثبت وفاءه للنظام الفرنسي وإخلاصه لفكرة “الجزائر الفرنسية” عندما كان مفتشا عاما للإدارة في مهمة فوق العادة(IGame) بعمالة قسنطينة عام 1956م إذ كان مكلفا بالإدارة ،وكذا مسؤولا عن قوات الأمن، يسيّر ويقود بنفسه كل العمليات القمعية ضد سكان الشرق الجزائري.

ويعتبر أول من اتبع سياسة نقل السكان وترحيلهم وفتح المراكز الأولى لتجميع السكان حيث كان كل الشرق الجزائري محاصرا ومقسما إلى مناطق محرمة وممنوعة إضافة إلى الممارسات القمعية الأخرى من: التمشيط، التعذيب، فرض الأشغال الشاقة، كوسائل لإخماد التمردات وتهدئة الأوضاع!!

كل هذه الممارسات جعلت من “موريس بابون” يختار في عام 1958م لتولي مسؤولية أخرى، ويفتح بها جبهة أخرى ومعارك أخرى.ومباشرة بعد تنصيبه كرئيس شرطة باريس (Prefet de Police) شرع في ممارسة وسائله القمعية والدموية التي جربها في الجزائر وبالخصوص: التعذيب الجماعي، وتعميمه في عملية الإستنطاقات، الاعتقالات، تمشيط ومحاصرة الأحياء المأهولة بالجزائريين مستخدما في ذلك”الحَرْكَة ” الذين كانوا يدعون ويسمون”القوات الإضافية”.

ومن تمّ تأخذ كرونولوجيا الأحداث اتجاه التصعيد على النحو الآتي عام 1961م:(5)

  • في أوت 1961م: اتصالات شبه رسمية بين الحكومة الفرنسية والحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية “موريس بابون” محافظ الشرطة الفرنسية يحاول عرقلة المفاوضات بأي ثمن ويقرر ضرب “المراكز الحساسة للبنى التنظيمية لجبهة التحرير الوطني”، وفيدرالية جبهة التحرير بفرنسا ترد بقوة.
  • في 8 سبتمبر: توقيف ما يقارب 100 مغترب جزائري وطردهم إلى بلدياتهم الأصلية.
  • 10سبتمبر: اعتقال ما يقارب 650 جزائريا في مركز “فانسان”.
  • 23سبتمبر: حسب بيان محافظة الشرطة فإن 29087 يكونون قد فتشوا، وأوقف 659 منهم، وطرد 184 إلى الجزائر.
  • في 05 أكتوبر: بعد اشتباكات مسلحة عديدة بين مناضلي فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني وبين أفراد الشرطة الفرنسية، عقد اجتماع لمجلس الوزراء الفرنسي خاص “بالإرهاب” يقرر منع العمال الجزائريين من التجول ليلاً في شوارع باريس والناحية الباريسية. والفيدرالية تدعو إلى العصيان وإفشال حضر التجول”.
  • 06 أكتوبر: حظر التجول يدخل حيّز التنفيذ.
  • 09 أكتوبر: مسؤولو الفيدرالية، يقررون تنظيم مظاهرات.

الأحــــداث والنـتـائج

في 17 أكتوبر 1961م تم نشر 7000بوليسي(شرطي)، فرقتين من (أي.أر.أس)IRS وفيلقين من رجال الجندرمة في شوارع باريس.

وتضاربت الإحصائيات والتقديرات الجزائرية والفرنسية والأجنبية حول مسيرات ومظاهرات 17أكتوبر سنة 1961م، والتقديرات الوسطى لها كالأتي:

  • عدد المتظاهرين أكثر من 50 ألف مناضل ومناضلة.
  • عدد الشهداء أكثر من 200 شهيد.
  • عدد كبير من المفقودين الذين ألقي بهم في نهر السين والغابات وأماكن مهجورة وغيرها.
  • 2300 جريح، جروحهم متفاوتة الخطورة.
  • أما عدد المعتقلين فقد قدر بـ 15000 منهم 3000 محبوس حسب الدوائر الرسمية الفرنسية .

وقد وصف أحد الأحرار الفرنسيين هاتين الفترتين الأليمتين[ 1942-1945،و1961] بقوله: “لقد انتقلنا من النجمة الصفراء إلى الهلال الأصفر” ويترجم الهلال الأصفر بالحصيلة الثقيلة لهذه المجازر.

  • الساعة السادسة مساء من يوم 17 أكتوبر، تتم أولى التوقيفات في صفوف المتظاهرين الجزائريين.

الموقوفون يقادون إلى (فانسيان) و(بوجون).

  • الساعة الثامنة ليلا عشرات الآلاف من الجزائريين يتظاهرون في شوارع باريس – وقد تم ذكر الحصيلة سالفا- .
  • وفي 19 أكتوبر: يصدر بيان رسمي يقدر عدد الموقوفين بـ 9260 شخصا، و500 شخص يطردون على متن الطائرات إلى الجزائر.
  • وفي 21 أكتوبر: تجمع 2000 أستاذ وطالب في السوربـون لإدانة القمع والاحتجاج ضد حضر التجول.
  • 23 أكتوبر: يطلق سراح 8500 متظاهر، ويبقى 2800 مسجونين، وتُـقـام مظاهرات تضامن من طرف الطلبة الفرنسيين في الحي اللاتيني ومونبارناس.
  • 27 أكتوبر: يواصل “لوي جوكس” المفاوضات مع الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية.
  • في 31 أكتوبر1961م: يعلن عدد من الشرطة الجمهوريين: “ما حدث ليلة 17 أكتوبر 1961م، والأيام التي تلته ضد المتظاهرين المسالمين الذين لم يعثر لديهم على أي سلاح من واجبنا ان نقدم شهاداتنا ونعلم الرأي العام نحن لا نستطيع أن نصمت طويلا أمام تلك الأفعال الشنيعة التي تكاد أن تصبح السلوك الطبيعي والعملة المتداولة لدى الشرطة. اليوم وبدرجات متفاوتة الصحافة تحاول أن تظهر ما حدث، تنشر رسائل أناس تتساءل عمّا حدث، أناس شرفاء من مختلف التيارات وفي صفوفنا (نحن كشرطة)

هؤلاء الأغلبية حتى أن البعض أصبح يشك في قيمته ومصداقية”بذلته الرسمية” كل الجناة يجب معاقبتهم ويجب أن يمتد العقاب إلى كل الذين شاركوا (أعطوا الأوامر) حتى وإن كانوا في مناصب عليا.إنــه واجبنا لإعلام الآخرين”.

وفي الــــختام                                                                                 

إن الجالية الجزائرية في المهجر لم يقل دورها عن الدور الذي قام به الشعب الجزائري داخل الوطن، وحق القول أن نوفمبرا جديدا قد تمّ تفجيره على أرض العدو في عقر داره وقد كان هذا المجهود تحت تأطير اتحادية جبهة التحرير الوطني في فرنسا التي كانت مظاهرات 17 أكتوبر 1961م باكورة هذا المجهود في التعبئة والتوعية، إذ أعطت دفعا قويا للمسار الثوري في الجزائر، بحيث أصبح أمرا واقعا على فرنسا التسليم بوجوده دون مكابرة أمام الرأي الدولي، وكان لهذه المظاهرات دور لا يستهان به في تفعيل مسار المفاوضات بين جبهة التحرير الوطني الجزائري والسلطة الفرنسية.

وقد كان لإستراتيجية نقل الثورة إلى أرض العدو نفسه أسلوب جديد – أو محدود في فرض سياسة الأمر الواقع على العدو للتسليم بمبدأ تقرير المصير بالنسبة للشعب الجزائري، والعمل بسرعة من أجل إنهاء مشكلة الاحتلال الفرنسي للجزائر.

وما كانت الثورة الجزائرية لتستمر أكثر من ثلاث سنين لولا الدعم اللوجيستيكي للجالية الجزائرية المهاجرة، ونشاطها السياسي من خلال المظاهرات والتجمعات واللوائح…ونشاطها الثقافي المتنوع للتحسيس بالقضية الجزائرية وخلفياتها للرأي العام الفرنسي خاصة،والأوروبي والدولي عامة. وبنشاطها استطاعت أن تفضح الاستعمار الفرنسي وممارساته الدراكونية ضد الشعب الجزائري، ومدى الوحشية التي كانت تميز سلوكاته وتصرفاته تجاه كل ما هو جزائري. ودور هذه الجالية الثوري ما يزال في حاجة إلى الدراسة والبحث من طرف المؤرخين وهذا لا يتأتى إلا بإرادة سياسية فاعلة للجهات الرسمية في تشجيع البحث والباحثين.

*باحـــث في الـتاريخ

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

دمعــــة قــلــم فـــي رثـــــــاء عَلـــــــم

د/ عاشور توامة/ أُراني لست ممن يعرضون الكلم قبل فحواه، ولست ممًن يستجدون قلمهم في …